ابن العربي

916

أحكام القرآن

السماء - إلّا ما يصعد إليها وهو الذكر الطيب والعمل الصالح ، وليس بالسعي في جهات الأرض ، فإنه ليس فيها رزق . والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر ، وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة والغراسة . ويدلّ عليه ما كانت الصحابة تعمله ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم من التجارة في الأسواق ، والعمارة للأموال ، وغرس الثمار . ومنهم من كان يضرب على الكفار لتكون كلمة اللّه هي العليا ، ويسترزق من أفضل وجوه رزق اللّه تعالى وهو الأغنام ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم في ذلك كلّه راض عنهم ، وهذه كانت صفة الخلفاء الذين لم يكن أحد أفضل منهم ؛ يسلكون هذه السبيل في الاكتساب والتعليق بالأسباب . أما إنه لقد كان قوم يقعدون بصفّة المسجد ما يحرثون ولا يتّجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام إذا جاءت هديّة أكلها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم معهم ، وإن كانت صدقة خصّتهم بها ، ولم يكن ذلك بمعاب عليهم ، لإقبالهم على العبادة ، وملازمتهم للذكر والاعتكاف ، فصارت جادّتين « 1 » في الدين ومسلكين للمسلمين ، فمن آثر منهما واحدا لم يخرج عن سننه ، ولا اقتحم مكروها . المسألة التاسعة - قوله : مِنْ فَضْلِهِ . فيه ثلاثة أقوال : الأول - من حيث شاء ، وعلم ؛ لعموم فضله ، وسعة رزقه ورحمته . الثاني - بالمطر والنبات وخصب الأرض ، فأخصب تبالة « 2 » وجرش « 3 » ، فحملوا إلى مكة الطعام والودك ، وأسلم أهل نجد وصنعاء . الثالث - بالجزية . وهذا كلّه من المعاني التي يحتملها اللفظ ويراد به جميعها ، ويحتمل عندي أن يريد به يغنيكم اللّه عن الكفار فيما يجلبون من التجارة والرزق إليكم بجلبكم أنتم لها واستغنائكم عنها بأنفسكم في كل وجه .

--> ( 1 ) في ل : حالتين . ( 2 ) تبالة : موضع ببلاد اليمن ، وهي مما يضرب المثل بخصبها . ( 3 ) جرش : من مخاليف اليمن .