ابن العربي

899

أحكام القرآن

وغاص مالك على الحقيقة ، فجمع بين الدلائل ، وقال : إنّ يوم النحر فيه الحج كله ؛ لأن الوقوف إنما هو في ليلته ، وفي صبيحته « 1 » الرمي والحلق والنحر والطواف ، فلا يبقى بعد هذا إشكال ، واللّه أعلم . وقد روى أبو جعفر محمد بن علىّ أنه قال : لما نزلت « براءة » على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج قيل له : يا رسول اللّه ؛ لو بعثت به إلى أبى بكر . فقال : إنه لا يؤدّى عنى إلا رجل من أهل بيتي . ثم دعا عليّا ، فقال له : اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته . فخرج علىّ على ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أدرك أبا بكر الصديق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أم مأمور ؟ قال : بل مأمور . ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحجّ ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر قام علىّ بن أبي طالب فأذّن في الناس بالذي أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد سمعت بعض العلماء يقول : إنما سمى يوم الحج الأكبر ؛ لأنّ الناس يجتمعون فيه من كان يقف بعرفة ، ومن كان يقف بالمزدلفة ، وكان النداء في اليوم الذي يجتمع الناس كلهم فيه أولى وأبلغ في المراد . وهذا وإن كان صحيحا في المعنى ، ولكن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد سمّاه يوم الحجّ الأكبر في حجة الوداع بعد ذلك ، والوقوف كله بعرفة . سمعت أبا سعيد محمد بن طاهر الشهيد يقول : سمعت الأستاذ أبا المظفر طاهر بن محمد شاهبور « 2 » يقول : إنما أرسل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عليا ببراءة مع أبي بكر ، لأن براءة تضمّنت نقض العهد الذي كان عقده النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت سيرة العرب أنه لا يحلّ العقد إلا الذي عقده أو رجل من بيته ، فأراد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة ، وأن يرسل ابن عمه الهاشمىّ من بيته بنقض العهد ، حتى لا يبقى لهم متكلم . وهذا بديع في فنه .

--> ( 1 ) في ا : وفي صبيحة الرمي . ( 2 ) في ل : شابور .