ابن العربي

895

أحكام القرآن

وجفّت أنهارها ، وتشعّب شجرها ، فنادى : يا خرب ، أين أهلك ؟ فنودي : يا عيسى ، بادوا فضمّتهم الأرض ، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة ؛ عيسى بن مريم فجد . قال علماؤنا : يريد مالك بسياحته أنه المسيح عيسى بن مريم . المعنى : لكم في الأرض مسير أربعة أشهر ، واختبروا فيها ، وحرّروا أعمالكم ، وانظروا مآلكم ، فإن دخلتم في الإسلام فلكم الأمان والاحترام ، وإن استمررتم على الكفر عوملتم بمعاملة الكفار من القتل والإسار . المسألة الثانية - قد روى جماعة أنّ علىّ بن أبي طالب كان يقول في أذانه : ومن كان بينه وبين النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عهد فعهده إلى مدّته ؛ فإن صحّ هذا فإنه يدل على أنّ العهد المحدود لمدة موقوف على أمده ، وأنّ العهد المطلق ، أو الذي له أقل من أربعة أشهر فإن مدته أربعة أشهر ، إلا من لم ينقض فإن عهده إلى مدته من غير خلاف بنصّ القرآن بعد هذا . المسألة الثالثة - اختلف الناس في هذه الأشهر التي قدّرت للسياحة على أربعة أقوال : الأول - أنها من شوال في سنة ثمان إلى صفر من سنة تسع ، قاله الزهري وغيره . الثاني - أنها عشرون من ذي الحجة ، أوّلها يوم النحر إلى تمام أربعة أشهر . وذلك بمضي عشرة أيام من ربيع الأول سنة تسع ، وقيل هو الثالث من أول يوم من ذي القعدة . وقيل في الرابع من يوم يبلغهم العلم . والصحيح أنه من يوم النّحر ، فبذلك كان البدء وإليه كان المنتهى . الآية الثالثة - قوله تعالى « 1 » : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . فيها أربع مسائل : المسألة الأولى - الأذان : هو الإعلام لغة من غير خلاف ، المعنى براءة من اللّه ورسوله وأذان من اللّه ورسوله ، أي هذه براءة ، وهذا إعلام وإنذار : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 2 » . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 3 » .

--> ( 1 ) آية 3 . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية 15 . ( 3 ) سورة النساء ، آية 165