ابن العربي
849
أحكام القرآن
تاء لغة ؛ وذلك بأن يجعل بينه وبين مخالفة اللّه ومعصيته وقاية وحجابا ، ولها فيه محالّ : المحل الأول - العين ، فإنها رائد القلب وربيئته ، فما تطّلع عليه أرسلته إليه ، فهو يفصل منه الجائز مما لا يجوز ، وإذا جللتها بحجاب التقوى لم ترسل إلى القلب إلا ما يجوز ، فيستريح من شغب ذلك الإلقاء ؛ وربما أصابت هذا المعنى الشعراء كقولهم : وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أسلمتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابر وهذا وإن كان أخذ طرفا من المعنى فإن شيخنا عطاء المقدسي شيخ الفقهاء والصوفية ببيت المقدس استوفى المعنى في بيتين أنشدناهما : إذا لمت عينىّ اللتين أضرّتا * بجسمي وقلبي قالتا : لم القلبا فإن لمت قلبي قال عيناك جرّتا * علىّ الرزايا ثم لي تجعل الذنبا وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : إن اللّه كتب على ابن آدم حظّه من الزنا . أدرك ذلك لا محالة ؛ فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، واليدان تزنيان وزناهما البطش . المحل الثاني - الأذن ، وهو رائد عظيم في قبيل الأصوات يلقى إلى القلب منها ما يغبيه « 2 » ، وقد كانت البواطل فيه أكثر من الحقائق ، فعلى العبد أن يمتنع من الخوض في الباطل أولا ، وينزّه نفسه عن مجالسة أهله ؛ وإذا سمع القول اتّبع أحسنه ، ووعى أسلمه ، وصان عن غيره أذنه ، أو قذفه عن قلبه إن وصل إليه . المحل الثالث - اللسان ، وفيه نيّف على عشرين آمة وخصلة واحدة ، وهي الصدق ، وبها ينتفى عنه جميع الخصال الذميمة ، وعن بدنه جميع الأفعال القبيحة ، فإذا حجبه بالصدق فقد كملت له التقوى ، ونال المرتبة القصوى . المحل الرابع - اليد وهي للبطش والتناول ، وفيها معاص منها : الغصب ، والسرقة ، ومحاولة الزنا ، والإذابة للحيوان والناس ، وحجابها الكفّ إلا عمّا أراد اللّه . المحل الخامس - الرّجل ، وهي للمشي إلى ما يحل ، وإلى ما يجب ، وحجابها الكفّ عما لا يجوز .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 2046 . ( 2 ) في ل : ما يغمه . والتغبية : الستر .