ابن العربي

847

أحكام القرآن

أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمّهم اللّه بعذاب من عنده . وثبت أن أمّ سلمة قالت للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث . وقال عمر : إن اللّه لا يعذّب العامة بذنب الخاصة ، ولكن إذا عمل « 1 » المنكر جهارا استحلّوا « 2 » العقوبة كلّهم . وتحقيق القول في ذلك أنّ اللّه قال « 3 » : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ . وقال « 4 » : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ فقد أخبرنا ربنا أنّ كلّ نفس بما كسبت رهينة ، وأنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد ، وإنما تتعلق كلّ عقوبة بصاحب الذنب ، بيد أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيّره ، فإذا سكت عنه فكلّهم عاص ؛ هذا بفعله ، وهذا برضاه به . وقد جعل اللّه في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل ؛ فانتظم الذنب بالعقوبة ، ولم يتعدّ موضعه ، وهذا نفيس لمن تأمّله . فإن قيل ، وهي : المسألة الثالثة - فما معنى هذه الآية ؟ قلنا : هي آية بديعة ، ومعناها على الناس مرتبك ، وقد بيناها في قبس الموطأ ، وفي ملجئة المتفقهين . لبابه أنّ قوله : اتَّقُوا أمر . وقوله : لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا نهى ، ولا يصلح أن يكون النهى جواب الأمر ، فيبقى الأمر بغير جواب ، فيشكل الخطاب . والدليل على أنّ قوله : لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا نهى - دخول « 5 » النون الثقيلة فيه ، وهي لا تدخل إلا على فعل النهى ، أو جواب القسم . ولا تظنوا أنّ إشكال هذه الآية حدث بين المتأخرين ؛ بل هو أمر سالف عند المتقدمين ،

--> ( 1 ) في ل : عملوا . ( 2 ) في ل : استحقوا . ( 3 ) سورة البقرة : 286 . ( 4 ) سورة الإسراء : 15 . ( 5 ) كلمة « دخول » خبر أن .