ابن العربي

844

أحكام القرآن

ذلك يوم بدر بقوله « 1 » : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ؛ فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر ، وليس به ؛ وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزّحف . والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب ، وذهاب اليوم بما فيه ، وقد ثبت عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا . . . وعدّ الفرار يوم الزّحف . وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ، ويبيّن الحكم ، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر . المسألة الثالثة - أما يوم بدر مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فلم يجز لهم أن يفرّوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولا يسلموه لأعدائه حتى لا يبقى منهم على الأرض عين تطرف . وأما سائر الجيوش وأيام القتال فلها أحكام تستقصى في مواضعها إن شاء اللّه تعالى . الآية الرابعة - قوله تعالى « 2 » : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ هي من توابع ما تقدم وروابطه ؛ فإنّ السورة هي سورة بدر كلها ، وكلها مدنية إلا سبع آيات فإنها نزلت بمكة ، وهي قوله « 3 » : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . إلى آخر الآيات السبع . وقد روى ابن وهب ، قال : أخبرني مالك في قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، هذا في حصب رسول اللّه المشركين يوم حنين . قال مالك : ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك ، وذكر ما قالت له أم سليم . وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا ، وقد روى عن محمد بن إسحاق ، أنها كانت في يوم بدر لما استوت الصّفوف ونزل جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النّقع . فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حثية « 4 » من الحصباء ، فاستقبل بها قريشا ، فقال : شاهت الوجوه . ثم تفخم بها وأمر أصحابه فقال : شدّوا ؛ فكانت الهزيمة ، وقتل اللّه من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم . وقال ابن المسيّب : كان هذا يوم أحد حين رمى أبىّ بن خلف الحربة ، فكسر ضلعا

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 16 . ( 2 ) الآية 17 . ( 3 ) الآية 30 . ( 4 ) في ل : حفنة .