ابن العربي

826

أحكام القرآن

المسألة العاشرة - قال علماؤنا : هذه الآية من ثلاث كلمات ، قد تضمنت قواعد الشريعة المأمورات والمنهيّات ، حتى لم يبق فيه حسنة إلا أوضحتها ، ولا فضيلة إلا شرحتها ، ولا أكرومة إلّا افتتحتها ، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام الثلاثة ؛ فقوله : خُذِ الْعَفْوَ تولى بالبيان جانب اللين ، ونفى الحرج في الأخذ والإعطاء والتكليف . وقوله : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ تناول جميع « 1 » المأمورات والمنهيات ؛ وإنهما ما عرف حكمه ، واستقرّ في الشريعة موضعه ، واتّفقت القلوب على علمه . وقوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ تناول جانب الصّفح بالصبر الذي به يتأتّى للعبد كلّ مراد في نفسه وغيره ، ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان أسفارا . الآية الخامسة والعشرون - قوله تعالى « 2 » : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها « 3 » : روى أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم صلى بأصحابه ، فقرأ أناس من خلفه ، فنزلت هذه الآية : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ . . . الآية ؛ فسكت الناس خلفه ، وقرأ رسول اللّه . المسألة الثانية - روى الأئمة : مالك ، وأبو داود ، والنسائي ، عن أبي هريرة - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، فقال : هل قرأ أحد منكم [ معي ] « 4 » آنفا ؟ فقال رجل : نعم ، يا رسول اللّه . فقال : إني أقول : مالي أنازع القرآن ؟ قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما جهر فيه رسول اللّه من الصلوات بالقراءة ، حين سمعوا ذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وروى مسلم عن عمران بن حصين ، قال « 5 » : صلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنا صلاة الظّهر أو العصر ، فقال : وأيكم قرأ خلفي بسبّح اسم ربك الأعلى ؟ فقال رجل : أنا فقال رسول اللّه : قد علمت أنّ بعضكم حالجنيها « 6 » .

--> ( 1 ) في ل : جانب . ( 2 ) الآية الرابعة بعد المائتين . ( 3 ) أسباب النزول : 131 ( 4 ) من ل . ( 5 ) صحيح مسلم : 298 . ( 6 ) حالجنيها : نازعنيها .