ابن العربي

821

أحكام القرآن

وقال أبو حنيفة والشافعي : إنما ذلك فيما يكون حال الطّلق ، فأما قبل ذلك فلا ؛ واحتجّوا بأن الحمل عادة وأن الغالب فيه السلامة . قلنا : كذلك أكثر المرض الغالب عليه السلامة ، وقد يموت من لم يمرض ، ولكن أخذا بظاهر الحال كذلك في مسألتنا . وبالجملة فإنّ إنكار مرض الحامل عناد ظاهر ، فإذا ثبت هذا فقد حمل العلماء عليه المحبوس في قود أو قصاص ، وحاضر الزحف . وأنكره الإمامان المذكوران وغيرهما ، فإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشدّ حالا من المريض ، وإنكار ذلك غفلة في النظر ؛ فإن سبب الموت موجود عندهما ، كما أن المرض سبب الموت ، وقد قال سبحانه « 1 » : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . وهي الآية الثانية والعشرون في الأحكام من غير السورة ، وذكرت هاهنا لاقتضاء القول إياها ، وإنما رأوا أسبابه ، وكذلك قال رويشد الطائي « 2 » : يا أيها الراكب المزجى مطيّته * سائل بنى أسد ما هذه الصوت « 3 » وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرّئكم إني أنا الموت وقال سبحانه في سورة الأحزاب ، وهي : الآية الثالثة والعشرون في الأحكام من غير السورة اقتضاها القول هاهنا « 4 » : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : إنّ الحالة الشديدة إنما هي المبارزة ، وقد أخبر اللّه عن منازلة العدو ، وتدانى الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ، ومن سوء الظنون باللّه ، ومن زلزلة القلوب واضطرابها ، هل هذه الحال ترى على المريض أم لا ؟ فهذا كله لا يشكّ فيه منصف .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 143 . ( 2 ) في ل : قال : وأنشد الطائي ، والشعر في القرطبي : 7 - 34 ( 3 ) الصوت : الجرس مذكر ، وإنما أنثه هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة ، على معنى الصيحة والاستغاثة ، اللسان - صوت . وقد تقدم البيت الثاني صفحة 70 . ( 4 ) آية 10 ، 11 ، من سورة الأحزاب .