ابن العربي
818
أحكام القرآن
شيئا مذكورا ، وسيعود مقبورا . وهذا زمان وسط بينهما ، فيا ويحه إن كان محسورا فينظر حينئذ أنه عبد مربوب ، مكلّف مخوّف بالعذاب إن قصر ، مرجّى بالثواب إن ائتمر ، فيقبل على عبادة مولاه ، فإنه وإن كان لا يراه يراه ، ولا يخشى الناس فاللّه أحقّ أن يخشاه ، ولا يتكبر على أحد من عباد اللّه ؛ فإنه مؤلّف من أقذار ، مشحون من أوضار ، صائر إلى جنّة إن أطاع أو إلى نار . ولذلك كان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية : كيف يزهى من رجيعه « 1 » * أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه * وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحش « 2 » * بصغر فيطيعه المسألة الثالثة - أي العلمين أفضل : التفكر أم الصلاة ؟ اختلف في ذلك الناس ، فصغو « 3 » - أي ميل - الصوفية إلى أن الفكرة أفضل ، فإنها تثمر المعرفة ، وهي أفضل المقامات الشرعية . وصغو « 4 » الفقهاء إلى أنّ الصلاة والذكر أفضل ؛ لما روى في ذلك من الحث والدعاء إليها ، والترغيب فيها ، والإيعاز بمنازلها وثوابها . والذي عندي فيه أن الناس مختلفون ، فمن كان شديد الفكر ، قوىّ النظر ، مستمرّ المرر ، قادر على الأدلة ، متبحّرا في المعارف ، فالفكر له أفضل ، ومن كان دون ذلك فالأعمال أقوى لنفسه ، وأثبت لعوده « 5 » . ثبت عن ابن عباس عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح أنه بات عند زوجه ميمونة ، وبات ابن عباس معه في ليلة لم تكن ميمونة تصلّى فيها ، فاضطجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وزوجه في طول الوسادة ، واضطجع ابن عباس في عرضها ؛ فلما انتصف الليل أو قبله بقليل ، أو بعده ، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمسح النّوم عن وجهه ، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران « 6 » : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ،
--> ( 1 ) الرجيع : العذرة والروث . ( 2 ) الحش : النخل المجتمع ، ويكنى به عن بيت الخلاء . ( 3 - 4 ) ميل . ( 5 ) في ل : لقوده . ( 6 ) الآية التسعون بعد المائة من آل عمران .