ابن العربي

797

أحكام القرآن

فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه واشتواه ، فوجدوا ريحه ، فجاءوه ، فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع . قالوا : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك ، وكانت لهم مدينة لها ربض « 1 » يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم ، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجبهم أحد ، فتسوّروا عليهم المدينة ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد منهم مدنو فيتمسّح بمن كان يعرف قبل ذلك . قال الحسن : فأكلوا - واللّه - أوخم أكلة أكلها قوم ، وعوقبوا أسوأ عقوبة في الدنيا وأشدّها عذابا في الآخرة . ثم قال الحسن : واللّه لقتل المؤمن أعظم عند اللّه من أكل الحيتان . المسألة الخامسة - لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم ، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم ، فاستمرّوا على نهيهم لهم ، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهى عدم قبولهم « 2 » ؛ لأنه فرض قبل أو لم يقبل ، حتى قال لهم بعضهم : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ؟ يعنى في الدنيا ، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة ؟ قال لهم الناهون : معذرة إلى ربكم ، أي نقوم بفرضنا ؛ ليثبت عذرنا عند ربنا . المسألة السادسة - قوله « 3 » : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ؛ أي تركوه عن قصد . وهذا يدل على أنّ النسيان لفظ ينطلق على الساهي والعامد ردّا على أهل جهالة زعموا أنّ الناسي والساهي لمعنى واحد . وهؤلاء قوم لا معرفة لهم باللغة ، وقصدهم هدم الشريعة ، وقد بينا ذلك في غير موضع ، وحققنا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : فمن نام عن صلاة أو نسيها « 4 » فليصلّها إذا ذكرها . وقلنا : معناه من نام عن صلاة أو تركها فليصلّها متى ذكرها . فالساهي له حالة ذكر ، والعامد هو أبدا ذاكر ؛ وكلّ واحد منهم يتوجّه عليه فرض القضاء متى حضره الذكر دائما أو في حال دون حال ، وبهذا استقام نظام الكلام ، واستقرّ حكم شريعة الإسلام .

--> ( 1 ) الربض : ما حول المدينة خارجا عنها . ( 2 ) في ل : فتواهم . ( 3 ) من الآية 164 من السورة . ( 4 ) في ل : أو تركها .