ابن العربي

757

أحكام القرآن

وأين الفلاسفة وأناسها ؟ هل في قدرة الطبيعة - إذا سلمنا وقلنا لها قدرة على طريق الجدل - أن تتقن هذا الإتقان البديع ، أو ترتب هذا الترتيب العجيب ؟ كلّا ، لا يتمّ ذلك في المعقول إلا لحىّ عالم قادر مريد ، فقد علم الألبّاء « 1 » أنّ أميّا لا ينظّم سطور الكتابة ، وأنّ سواديّا « 2 » لا يقدر على ما في الديباج من التزين والنساجة ؛ فسبحان من له في كلّ شيء آية بداية ونهاية ، فمن اللّه الابتداء ، وإنّ إلى ربك المنتهى ، تقدّس وتعالى . المسألة السابعة - قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ : فهذان بناءان جاءا بصيغة « 3 » افعل ، وأحدهما مباح لقوله « 4 » : فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ . والثاني واجب على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه ، وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب ؛ لما يأتي في ذلك من الفوائد ، ويتركّب عليه من الأحكام ، فأما الأكل فلقضاء اللذة ، وأما إيتاء الحقّ فلقضاء حقّ النعمة ، فلله تعالى على العبد نعمة في البدن بالصحة ، واستقامة الأعضاء ، وسلامة الحواسّ ، ونعمة في المال بالتمليك والاستغناء ، وقضاء اللذات ، وبلوغ الآمال ؛ ففرض الصلاة كفاء نعمة البدن ، وفرض الزكاة كفاء نعمة المال ، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ؛ ليبيّن أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف . المسألة الثامنة - قوله : وَآتُوا حَقَّهُ : اختلف في تفسير هذا الحق على ثلاثة أقوال : الأول - أنه الصدقة « 5 » المفروضة ؛ قاله سعيد بن المسيب وغيره ، ورواه ابن وهب ، وابن القاسم ، عن مالك في تفسير الآية . الثاني - أنها الصدقة غير المفروضة تكون يوم الحصاد وعند الصّرام « 6 » ؛ وهي إطعام من حضر والإيتاء لمن غير ؛ قاله مجاهد . الثالث - أن هذا منسوخ بالزكاة ؛ قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير . وقد زعم قوم أنّ هذا اللفظ مجمل ولم يخلصوا « 7 » القول فيه ، وحقيقة الكلام عليه أن

--> ( 1 ) الألباء : العقلاء . ( 2 ) السواد : الرجل من العامة . ( 3 ) أي بصيغة الأمر . ( 4 ) سورة الجمعة ، آية 10 . ( 5 ) في القرطبي ( 7 - 99 ) : أنه الزكاة المفروضة . ( 6 ) صرام النخل : أوان إدراكه . ( 7 ) في ل : ولم يحصلوا .