ابن العربي
750
أحكام القرآن
الحرمين يقول في معارضة هذا : [ وذكر اللّه ] « 1 » إنما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة . قلنا : هذا فاسد من ثلاثة أوجه : أحدها - أنه يعارضه القرآن والسنّة ، كما قلنا « 2 » . الثاني - أنّ ذكر اللّه مشروع في كل حركة وسكنة ، حتى في خطبة النكاح ، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب . الثالث - أنّ الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك ، وقد قال اللّه تعالى « 3 » : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ . فإن قيل : المراد بذكر اسم اللّه بالقلب ، لأن الذكر يضادّ النسيان ، ومحلّ النسيان القلب ، فمحلّ الذّكر القلب . وقد روى البراء بن عازب وغيره ، عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : اسم اللّه على قلب كل مؤمن يسمّى أو لم يسمّ ، ولهذا تجزئه الذبيحة إذا نسي التسمية تعويلا على ما في قلبه من اسم اللّه سبحانه . قلنا : الذكر يكون باللسان ، ويكون بالقلب ، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنّصب باللسان ، فنسخ اللّه ذلك بذكر اللّه في الألسنة ، واستمر ذلك في الشريعة ، حتى قيل لمالك : هل يسمّى اللّه إذا توضّأ ؟ فقال : أيريد أن يذبح ؟ إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة . وأما الحديث الذي تعلّقوا به في قوله : اسم اللّه على قلب كل مؤمن . فحديث ضعيف لا تلتفتوا إليه . وأما النّاسى للتسمية على الذبيحة فإنها لم تحرّم عليه ؛ لأن اللّه تعالى قال : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وليس الناسي فاسقا بإجماع ، فلا تحرم عليه . فإن قيل : وكذلك المتعمّد ليس بفاسق إن أكلها إجماعا ؛ لأنها مسألة اجتهاد اختلف العلماء فيها .
--> ( 1 ) ليس في ل . ( 2 ) في ل : بيناه . ( 3 ) سورة الحج ، آية 37