ابن العربي

734

أحكام القرآن

سورة الأنعام فيها ثمان عشرة آية الآية الأولى - قوله تعالى « 1 » : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . فيها سبع مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : وَعِنْدَهُ : اعلموا أنّا قد بيّنا هذه الآية في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين بما المقصود منه هاهنا أنّ « عنده » كلمة يعبّر بها عما قرب منك . وتحقيقه أن دنوّ الشيء من الشيء يقال فيه قريب « 2 » ، ونأيه عنه يقال فيه بعيد ، وأصله المكان في المساحة « 3 » ، تقول : زيد منك ، وعمر وبعيد عنك . ويوضع الفعل موضع الاسم ؛ فتقول : زيد قربك ، ثم ينقل إلى المكانة المعقولة غير المحسوسة ، فيقال : العلم منك قريب ، وعليه يتأوّل ما يخبر به عن الباري سبحانه من ذلك ، وبه يفسّر قوله سبحانه « 4 » : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ بعشرين معنى جائزة « 5 » على اللّه سبحانه ، مما يصحّ أن يوصف بها ويخبر عنه بمعناها على ما بيّنا في كتاب المشكلين . وتقول : زيد قدّامك ، وعمر وراءك . فإذا قلت زيد قدّامك احتمل المسافة من لدن جسمه إلى ما لا ينحصر منتهاه قدما ، وكذلك وراءك ، فصغّروه إذا أرادوا قرب المسافة من المخبر عنه ، فقالوا : قديديمة « 6 » . وإذا أرادوا تخليص القرب بغاية الدنو قالوا : زيد عندك ، عبّروا به عن نهاية القرب ، ولذلك لم يصغّروه ، فيقولوا فيه عنيد . وقد يعبّر بها أيضا عما في ملك الإنسان ، فيقال : عنده كذا وكذا ؛ أي في ملكه لأنّ

--> ( 1 ) الآية التاسعة والخمسون . ( 2 ) في ل : قريب منه . ( 3 ) في ل : المسافة . ( 4 ) سورة البقرة ، آية 186 . ( 5 ) في ل : معتبرين معنى جائز . ( 6 ) تصغير قدام ( القاموس ) .