ابن العربي

732

أحكام القرآن

وأما من قال : إنها ثابتة فاختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إنّ شهادة أهل الذمة جائزة في السفر ؛ منهم أحمد كما تقدم يجوّزها في السفر عند عدم المسلمين بغير يمين ، وصار بعض أشياخنا إلى أنّ ذلك باق باليمين ، وهو خرق للإجماع ، وجهل بالتأويل ، وقصور عن النظر ، وإذا أسقط أحمد اليمين ، فلا حجة له في الآية ولا في الحديث ؛ لأن اليمين تثبت فيهما جميعاً . والصحيح أن الشهادة اليمين ، وهي هاهنا يمين الوصيّين ، كما سمّيت اليمين في اللّعان شهادة . وقال الطبري : إنما حكم اللّه سبحانه باليمين على الشاهدين في هذا الموضع من أجل دعوى ورثة الميت على المسند إليهما الوصية بالخيانة ، أو غير ذلك ، ما لا يبرأ فيه المدّعى ذلك قبله إلا بيمين ؛ فإنّ نقل اليمين إلى ورثة الميت إنما أوجبه اللّه تعالى بعد أن عثر على الشاهدين في أيمانهما بإثم ، وظهر على كذبهما في ذلك بما ادّعوا من مال الميت أنه باعه منهما ، وهذا بناء على أن الخيانة ظهرت في أداء المال ، ولذلك حلفا مع الشهادة . قال القاضي ابن العربي : وهذا يصحّ على إحدى الروايات التي ذكر فيها أنهما ادّعيا بيع الجام منهما . وأما على الرواية الأخرى فلا يستقيم هذا التأويل ؛ لأنّ الشاهدين أدّيا التركة فيما ذكر فيها ، وانقلبا على ستر وسلامة ، ثم بعد ذلك ظهرت الخيانة في الجام ؛ إما بأنه وجد يباع ، وإما بتحرج تميم الداري وتأثّمه وأدائه ما كان أخذه منه . وتحقيق الكلام فيه أنّ كلّ رواية من تلك الروايات عضدتها صيغة القصة « 1 » في كتاب اللّه وسردوها « 2 » فإنها صحيحة ، وكل ما لم يعضده منها فهو مردود . أما إنه إذا فسرت الكلام في كتاب اللّه فاحتجت إلى تجويز أو تقديم أو تأخير فكلما كان أقل في ذلك من التأويلات فهو أرجح ، وكلما كان من خلاف الأصول فيه أقل فهو أرجح ، كتأويل فيه إجازة شهادة « 3 » الكافر وإحلاف الشاهد على شهادته ؛ فإنّ

--> ( 1 ) قصة الجام كاملة سبقت صفحة 713 ، وهي في القرطبي : 6 - 346 . ( 2 ) في ل : وسردناها . ( 3 ) في ا : وشهادة .