ابن العربي

708

أحكام القرآن

وقد اختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول ، فأما جوازه ، بل وجوبه ، في مسائل الفروع فصحيح ، وهو قبول قول العالم من غير معرفة بدليله ؛ ولذلك منع العلماء أن يقال : إنا نقلّد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنا إنما قبلنا قوله بدليل ظاهر ، وأصل مقطوع به ، وهو المعجزة التي ظهرت على يده موافقة لدعواه ، ودالّة على صدقه . وقد بينا أحكام التقليد ووجهه « 1 » في كتب الأصول . لبابه أنه فرض على العامي إذا نزلت به نازلة أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته ، فيمتثل فيها متواه ، وعليه الاجتهاد في معرفة [ أعلم ] « 2 » أهل وقته بالبحث عن ذلك ، حتى يتّصل له الحديث بذلك ويقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس . وعلى العالم أيضا فرض أن يقلّد عالما مثله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل والنظر ، وأراد أن يردّد فيها الفكر ، حتى يقف على المطلوب ؛ فضاق الوقت عن ذلك ، وخيف على العبادة أن تفوت ، أو على الحكم أن يذهب في تفصيل طويل ، واختلاف كثير ، عوّلوا منه على ما أشرنا لكم إليه . المسألة الرابعة - قوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ : هذه إشارة إلى أن الأدلة والاحتجاجات لا تكون ، بمحتمل ، وإنما يقع الاتباع « 3 » فيها بما خرج من الاحتمال ، ووجبت له الصحة في طرق الاستدلال ؛ لأن قولهم : وجدنا عليه آباءنا ، فنحن نقتدي بهم في أفعالهم ، ونمتثل ما شاهدناه من أعمالهم ، ولم يثبت عندهم أن آباءهم بالهدى عاملون ، وعن غير الحق معصومون ، ونسوا أنّ الباطل جائز عليهم ، والخطأ والجهل لا حق بهم ؛ فبطل وجه الحجة فيه ، ووضح العمل بالدليل بشروطه حسبما قررناه من شروط الأدلة في كتب الأصول . الآية الثالثة والثلاثون - قوله تعالى « 4 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

--> ( 1 ) في ل : ووجوهه . ( 2 ) من ل . ( 3 ) في ل : الإقناع . ( 4 ) الآية الخامسة بعد المائة .