ابن العربي
699
أحكام القرآن
روى أنّ أمّ السائل قالت له : يا بنى ؛ أرأيت أمك لو قارفت بعض ما كان يقارفه أهل الجاهلية ، أكنت تفضحها ؟ فكان الستر أفضل . ويعضده أيضا رواية من روى عن تفسير فرض الحج ؛ فإن تكراره مستثنى لعظيم المشقة فيه ، وعظيم الاستطاعة عليه . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنّ اللّه أمركم بأشياء فامتثلوها ، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها ، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه ، فلا تسألوا عنها . المسألة الثالثة - قوله تعالى : وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ : وهذا يشهد لكونها من باب التكليف الذي لا يبيّنه إلا نزول القرآن ، وجعل نزول القرآن سببا لوجوب الجواب ؛ إذ لا شرع بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يحقّق ذلك قوله تعالى « 1 » : عَفَا اللَّهُ عَنْها ؛ أي أسقطها ، وهي : المسألة الرابعة - والذي يسقط لعدم بيان اللّه سبحانه فيه وسكوته عنه هو باب التكليف ؛ فإنه بعد موت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم تختلف العلماء فيه ، فيحرّم عالم ، ويحلّل آخر ، ويوجب مجتهد . ويسقط آخر ؛ واختلاف العلماء رحمة للخلق ، وفسحة في الحق ، وطريق مهيع « 2 » إلى الرفق . المسألة الخامسة - قوله تعالى « 3 » : قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ : فيه أربعة أقوال : الأول - قوم عيسى عليه السّلام في المائدة . الثاني - قوم صالح في الناقة . الثالث - قريش في الصفا ذهبا . الرابع - بنو إسرائيل ، كانت تسأل : فإذا عرفت بالحكم لم تقرّ ولم تمتثل . والصحيح أنه عامّ في الكل ، ولقد كفرت العيسوية بعيسى وبالمائدة ، والصالحية بالناقة ، والمكية بكل ما شهدت من آية ، وعاينت من معجزة مما سألته ومما لم تسأله على كثرتها ؛ وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 101 . ( 2 ) مهيع : بين . ( 3 ) سورة المائدة ، آية 102