ابن العربي
537
أحكام القرآن
نزلت هذه الكلمة « 1 » في الحكم رجل من ربيعة قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : بم تأمرنا ؟ فسمع منه . وقال : أرجع إلى قومي فأخبرهم . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : لقد جاء بوجه كافر ورجع بقفا غادر . ورجع فأغار على سرح « 2 » من سروح المدينة ، فانطلق به ، وقدم بتجارة أيام الحجّ يريد مكة ، فأراد ناس من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يخرجوا إليه ، فنزلت هذه [ الآية ] ؛ أي لا تعتدوا [ إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين ] « 3 » بقطع سبل الحج ، وكونوا ممن يعين في التقوى ، لا في التعدّى ، وهذا من معنى الآية منسوخ ، وظاهر عمومها باق في كل حال ، ومع كل أحد ، فلا ينبغي لمسلم أن يحمله « 4 » بغض آخر على الاعتداء عليه إن كان ظالما ، فالعقاب معلوم على قدر الظلم ، ولا سبيل إلى الاعتداء عليه إن ظلم غيره ؛ فلا يجوز أخذ أحد عن أحد . قال اللّه تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة . الآية الثالثة - قوله تعالى « 5 » : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ؛ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . فيها إحدى وعشرون مسألة : المسألة الأولى - أما قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ - فقد تقدم « 6 » بيان ذلك في سورة البقرة . وأما قوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فسيأتي في سورة الأنعام إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) أسباب النزول : 68 . ( 2 ) السرح : الماشية ( النهاية ) . ( 3 ) من ل . ( 4 ) هذا تفسير لقوله تعالى : لا يَجْرِمَنَّكُمْ ؛ أي لا يحملنكم . والشنآن : البغض . ( 5 ) الآية الثالثة من السورة . ( 6 ) في آية 173 من سورة البقرة ، وقد سبقت في صفحة 51 من الجزء الأول . ( 2 / 2 - أحكام القرآن )