ابن العربي

660

أحكام القرآن

فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد با أبا هريرة ؟ فقال : لم أره حين شرب ، وقد رأيته سكران بقي . فقال عمر : لقد تنطعت « 1 » في الشهادة . ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه . فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلّم الجارود عمر ، فقال له : أقم على هذا كتاب اللّه فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم ؟ فقال الجارود : أنا شهيد . قال : قد كنت أدّيت الشهادة . فسكت الجارود ، ثم قال : لتعلمنّ أنى أنشدك اللّه . فقال عمر : أما واللّه لتملكنّ لسانك أو لأسوءنّك . فقال الجارود : أما واللّه ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءنى : فتوعّده عمر . فقال أبو هريرة - وهو جالس : يا أمير المؤمنين ، إن كنت تشكّ في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون . فأرسل عمر إلى هند ينشدها باللّه ، فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة . فقال عمر : يا قدامة ؛ إني جالدك . فقال قدامة : واللّه لو شربت كما تقولون ما كان لك أن تجلدنى يا عمر . قال : لم يا قدامة ؟ قال : لأن اللّه سبحانه يقول : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا . . . الآية إلى : الْمُحْسِنِينَ . فقال عمر : إنك أخطأت التأويل يا قدامة ؛ إذا اتقيت اللّه اجتنبت ما حرّم اللّه . ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا « 2 » ، فسكت عمر عن جلده أياما ، ثم أصبح يوما وقد عزم على جلده ، فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا . فقال عمر : إنه واللّه لأن يلقى اللّه وهو تحت السوط أحبّ إلىّ من أن ألقى اللّه وهي في عنقي ، واللّه لأجلدنّه ، ائتوني بسوط . فجاء مولاه أسلم بسوط رقيق صغير ، فأخذه عمر فمسحه بيده ، ثم قال لأسلم : قد أخذتك بإقرار « 3 » أهلك ، ائتوني بسوط غير هذا . قال : فجاءه أسلم بسوط تام ، فأمر عمر بقدامة فجلد ، فغاضب قدامة عمر وهجره ، فحجّا وقدامة مهاجر

--> ( 1 ) تنطع في الكلام : تعمق وتغالى ، أو تكلف القول والعمل . ( 2 ) الوجع : المريض . ( 3 ) هكذا في ا ، ل . وفي القرطبي والنهاية : أخذتك دقرارة . وقال في النهاية : الدقرارة : واحد الدقارير ، وهي الأباطيل وعادات السوء ، أراد أن عادة السوء التي هي عادة قومك ، وهي العدول عن الحق والعمل بالباطل قد نزعتك وعرضت لك فعملت بها . وكان أسلم عبدا .