ابن العربي

641

أحكام القرآن

والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ، ويقال له : لا تفعل فكفر ، فإن أقدم على الفعل فجر في إقدامه وبر في يمينه . وإنما قلنا : إنها تنعقد لأنه قصد بقلبه الفعل أو الكفّ في زمان مستقبل يتأتّى فيه كلّ واحد منهما . وهذا ظاهر . والمتعلّق الخامس - في يمين الغضب موضع فتنة ؛ فإنّ بعض الناس يقول : يمين الغضب لا يلزم ، وينظر في ذلك إلى حديث يروى : لا يمين في إغلاق « 1 » ، وهذا لم يصحّ ، والإغلاق : الإكراه ، لأنه تغلق الأبواب على المكره « 2 » وتردّه إلى مقصده ، وقد حلف النبىّ صلى اللّه عليه وسلم غاضبا ألّا يحمل الأشعريين وحملهم ، وقال : واللّه إن شاء اللّه إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني . وهذا بيّن ظاهر جدا . وأما من قال : إنه قول الرجل : لا واللّه ، وبلى واللّه . ففي صحيح البخاري ، عن عائشة قالت : نزلت : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ، في قول الرجل : لا واللّه ، وبلى واللّه . قلنا : هذا صحيح ، ومعناه إذا أكثر الرجل في يمينه من قول : لا واللّه ، وبلى اللّه ، على أشياء يظنّها كما قال ، فتخرج بخلافه . أو على حقيقة ، فهي تنقسم قسمين : قسما يظنّ وقسما يعقد ، فلا يؤاخذ منها فيما وقع على ظنّ ، ويؤاخذ فيما عقد ، وكيف يجوز أن يظن أحد أن قوله : لا واللّه ، وبلى واللّه ، فيما يعتقده ويعقده أنه لغو ، وهو منهىّ عن الاسترسال فيه والتهافت به . قال اللّه سبحانه « 3 » : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ؛ فنهى عنها ولا يؤاخذ إذا فعلها . هذا لعمر اللّه هو القول اللغو ، وهذا يبيّن لك أن القول ما قاله مالك ، وأنه اليمين على ظنّ يخرج بخلافه . فإن قيل وهي :

--> ( 1 ) إغلاق : إكراه ؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره ومضيق عليه في تصرفه ، كما يغلق الباب على الإنسان ( النهاية ) . ( 2 ) في ل : المكلف . ( 3 ) سورة البقرة آية 224 .