ابن العربي

626

أحكام القرآن

أحوال النفس الواحدة بالنفس الواحدة فليس له تعرّض في ذلك ، ولا سيقت الآية له ، وإنما تحمل الألفاظ على المقاصد . جواب آخر - وذلك أنّ هذا عموم يدخله التخصيص بما روى أبو داود والترمذي والنسائي ، وبعضهم أوعب من بعض ؛ عن علىّ ، وقد سئل : هل خصّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء ؟ قال : لا ، إلّا ما في هذا ، وأخرج كتابا من قراب سيفه ، وإذا فيه : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده . جواب ثالث - وذلك أنّ اللّه سبحانه قال في سورة البقرة « 1 » : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . وقال « 2 » : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ؛ فاقتضى لفظ القصاص المساواة ، ولا مساواة بين مسلم وكافر « 3 » ؛ لأنّ نقص الكفر المبيح للدم موجود به « 4 » ، فلا تستوي نفس مبيحها معها مع نفس قد تطهّرت عن المبيحات ، واعتصمت بالإيمان الذي هو أعلى العصم . وقد ذكر بعض علمائنا في ذلك نكتة حسنة ، قال : إنّ اللّه تعالى قال : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فأخبر أنه فرض عليهم في ملّتهم أنّ كلّ نفس منهم تعادل « 5 » نفسا ؛ فإذا التزمنا نحن ذلك في ملّتنا على أحد القولين - وهو الصحيح - كان معناه أنّ في ملّتنا نحن أيضا أن كلّ نفس منا تقابل نفسا ، فأما مقابلة كلّ نفس منّا بنفس منهم فليس من مقتضى الآية ، ولا من مواردها . المسألة الثالثة - قال أبو حنيفة وغيره : قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ يوجب قتل الحرّ بالعبد خاصة . وقال غيره : يوجب ذلك أخذ نفسه بنفسه ، وأخذ أطرافه بأطرافه ، لقوله تعالى : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ . وقد تقدم الجواب عن ذلك في المسألة قبلها . ونخص هذا مع أبي حنيفة أنهما شخصان لا يجرى بينهما القصاص في الأطراف مع السلامة في الخلقة فلا يجرى بينهما في الأنفس ، ويقال للآخرين : إنّ نقص الرقّ الباقي في العبد من آثار الكفر يمنع

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 179 . ( 2 ) سورة البقرة آية 178 . ( 3 ) في ل : بين المسلم والكافر . ( 4 ) في ل : فيه . ( 5 ) في ل : تقابل .