ابن العربي

621

أحكام القرآن

قلت « 1 » : وإنما أنفذ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم الحكم بينهم ، ليحقّق تحريفهم وتبديلهم وتكذيبهم وكتمهم ما في التوراة . ومنه صفة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، والرجم على من زنا منهم . وعنه أخبر اللّه سبحانه وتعالى بقوله « 2 » : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ؛ فيكون ذلك من آياته الباهرة ، وحججه البينة ، وبراهينه المثبتة للأمة ، المخزية لليهود والمشركين . المسألة الرابعة - في التحكيم من اليهود : قال ابن القاسم : إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخيّر إن شاء حكم أو لا ؟ لأن إنفاذ الحكم حقّ الأساقفة . وقال غيره : إذا حكم الزانيان الإمام جاز إنفاذه الحكم ، ولا يلتفت إلى الأساقفة ؛ وهو الأصحّ ؛ لأن مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ [ حكمه ] « 3 » ولم يعتبر رضا الحاكم ؛ فالكتابيّون بذلك أولى ؛ إذ الحكم ليس بحق للحاكم على الناس ، وإنما هو حقّ للناس عليه . وقال عيسى ، عن ابن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة ؛ إنما كانوا أهل حرب ، وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره أنّ الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك « 4 » ، وكانوا حربا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واسم المرأة الزانية يسرة ، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم : اسألوا محمدا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرّجم ، فخذوه منه واقبلوه ، وإن أفتى به فاحذروه ؛ وهذه فتنة أرادها اللّه فيهم فنفذت ، فأتوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فسألوه ، فقال لهم : من أعلم يهود فيكم ؟ قالوا : ابن صوريا . فأرسل إليه في فدك ، فجاء فنشده « 5 » اللّه ، فانتشد له وصدقه بالرّجم كما تقدم ، وقال له : واللّه يا محمد ، إنهم ليعلمون أنّك رسول اللّه ، ثم طبع [ اللّه ] « 6 » على قلبه « 7 » ، فبقى على كفره . وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا ، وإن لم يكن عهد ذمة

--> ( 1 ) في ل : قال القاضي رضى اللّه عنه . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 15 ( 3 ) من ل . ( 4 ) فدك : قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، أفاءها اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم في سنة سبع صلحا . ( ياقوت ) . ( 5 ) نشده اللّه : سأله وأقسم عليه ( النهاية ) . ( 6 ) ليس في ل . ( 7 ) طبع اللّه على قلبه : ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه ( النهاية ) .