ابن العربي
83
أحكام القرآن
الثاني - من شهد منكم الشهر فليصم منه ما شهد وليفطر ما سافر . وقد سقط القول الأول بالإجماع من المسلمين كلّهم « 1 » على الثاني ، وكيف يصحّ أن يقول ربّنا سبحانه : فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد ، وقد روى أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكديد « 2 » ، فأفطر وأفطر المسلمون . المسألة الخامسة - إذا صام في المصر ، ثم سافر في أثناء اليوم لزمه إكمال الصوم ، فلو أفطر قال مالك : لا كفّارة عليه ؛ لأنّ السفر عذر طرأ ، فكان كالمرض يطرأ عليه . وقال غيره : عليه الكفّارة ، وبه أقول ؛ لأنّ العذر طرأ بعد لزوم العبادة ، ويخالف المرض والحيض ، لأنّ المرض يبيح له الفطر ، والحيض يحرّم عليه الصوم ، والسفر لا يبيح له ذلك ؛ فوجبت عليه الكفّارة لهتك حرمته . المسألة السادسة - لا خلاف أنه يصومه من رآه ، فأما من أخبر به فيلزمه الصوم ؛ لأنّ رؤيته قد تكون لمحة ، فلو وقف صوم كلّ واحد على رؤيته لكان ذلك سببا لإسقاطه ، إذ لا يمكن كلّ أحد أن يراه وقت طلوعه ، وإنّ وقت الصلاة الذي يشترك في دركه كلّ أحد ويمتدّ أمده يعلم بخبر المؤذّن ، فكيف الهلال الذي يخفى أمره ويقصر أمده ؟ وقد اختلف العلماء في وجه الخبر عنه ؛ فمنهم من قال : يجزى فيه خبر الواحد كالصلاة ، قاله أبو ثور ؛ ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق ، قاله مالك ؛ ومنهم من أجرى أوله مجرى الإخبار وأجرى آخره مجرى الشهادة ، وهو الشافعي ؛ وهذا تحكّم ولا عذر له [ 46 ] في الاحتياط للعبادة ، فإنه يحتاط لدخولها كما يحتاط لخروجها ، والاحتياط لدخولها ألا تلزم « 3 » إلا بيقين . وأما أبو ثور فاستظهر بما روى عن ابن عباس « 4 » ، قال : جاء أعرابىّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : أبصرت الهلال الليلة ، فقال : أتشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا
--> ( 1 ) في ا : وكلهم . ( 2 ) موضع بالحجاز . والحديث في معجم البلدان : قال ابن إسحاق : سار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة في رمضان فصام وصام أصحابه حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر . ( 3 ) في م : لا تلزم . ( 4 ) ابن ماجة ، صفحة 529