ابن العربي

508

أحكام القرآن

قط ؛ وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ من أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ، وقد جعله اللّه جزءا منه في الإسلام ؛ وتبعا له في الإيمان ، فهو مسلم بإسلام أبيه بإجماع ، ومسلم بإسلام أمه باختلاف ، وماله لأبيه حيا وميتا ، وهكذا في أصول الشريعة ، ولا بيان فوق هذا . والأخ وإن كان بينهما بعضية فإنها بعيدة حقيقة وعادة ، فجوّزها العلماء في جانب الأخ بشرط العدالة المبررة ، ما لم تجرّ نفعا . وخالف الشافعي فقال : يجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض ؛ لأنهما أجنبيان ؛ وإنما بينهما عقد الزوجية ، وهو سبب معرّض للزوال . وهذا ضعيف : فإنّ الزوجية توجب الحنان والتعطف والمواصلة والألفة والمحبة ، وله حقّ في مالها عندنا ، ولذلك لا تتصرف في الهبة إلا في ثلثها . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ، ولها في ماله حقّ الكسوة والنفقة ، وهذه شبهة توجب ردّ الشهادة . المسألة التاسعة - ألحق مالك الصديق الملاطف بالقرابة القريبة ؛ فهي في العادة أقوى منها ، وهي في المودة ؛ فكانت مثلها في ردّ الشهادة . المسألة العاشرة - قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما : المعنى لا تميلوا بالهوى مع الفقير لضعفه ، ولا على الغنى لاستغنائه ، وكونوا مع الحق ؛ فاللّه الذي أغنى هذا وأفقر هذا أولى بالفقير أن يغنيه بفضله بالحق لا بالهوى والباطل ، واللّه أولى بالغنىّ أن يأخذ ما في يده بالعدل والحق ، لا بالتحامل عليه ؛ فإنما جعل اللّه سبحانه الحقّ والعدل عيارا لما يظهر من الخبث وميزانا لما يتبيّن من الميل ، عليه تجرى الأحكام الدنياوية ، وهو سبحانه يجرى المقادير بحكمته ، ويقضى بينهم يوم القيامة بحكمه . المسألة الحادية عشرة - قال جماعة : قوله تعالى : وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فسوّى بين الأقربين والأبوين في الأمر بالحق والوصية بالعدل ، وإن تفاضلوا في الدرجة ؛ كما سوّى بين الخلق أجمعين ، وإن تفاضلوا أيضا في الدرجة ، وكأنه سبحانه