ابن العربي

507

أحكام القرآن

الابن على الأبوين لا يمنع ذلك برّهما ، بل من برّهما أن يشهد عليهما بالحق ، ويخلّصهما من الباطل ، وهو من قوله تعالى « 1 » : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً في بعض معانيه . وقد اتفقت الأمة على قبول شهادة الابن على الأبوين ، فإن شهد لهما أو شهدا له وهي : المسألة الثامنة - فقد اختلف العلماء فيها قديما وحديثا ؛ فقال ابن شهاب : كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالد والأخ لأخيه ، ويتأوّلون في ذلك قول اللّه سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ، وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ؛ فلم يكن أحد يتّهم في ذلك من السلف الصالح ، ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة ، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل أنه لا تجوز شهادة الوالد للولد ، وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا . وروى عن عمر أنه أجازه ، وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال إسحاق وأبو ثور « 2 » والمزني . ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب . وروى ابن وهب عن مالك أنه « 3 » لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه ، ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر ؛ وأجازه الشافعي . ولا تجوز شهادة الصديق الملاطف عنده ، ولا إذا كان في عياله . والمختار عندي أن أصل الشريعة لا تجوز شهادة الوالد للولد ولا الولد للوالد لما بينهما من البعضية ؛ قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما فاطمة بضعة منى يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها . وشهادة الإنسان لنفسه لا تجوز ، إلا أن من تقدم قال : إنه كان يسامح فيه ؛ وما روى قطّ أحد أنه نفذ قضاء بشهادة ولد لوالده ولا والد لولده ، وإنما معنى المسامحة فيه أنهم كانوا لا يصرّحون بردّها ، ولا يحذّرون منها لصلاح الناس ، فلما فسدوا وقع التحذير ، ونبّه العلماء على الأصل ، فظنّ من تغافل أو غفل أنّ الماضين جوّزوها ، وما كان ذلك

--> ( 1 ) سورة التحريم ، آية 6 ( 2 ) في القرطبي : والثوري . ( 3 ) في القرطبي : إنها .