ابن العربي
500
أحكام القرآن
وقد بينّا أن علّة النهى تحزين الواحد ، وهو موجود في كل موضع ، وكلما كثر العدد كان التحزين أكثر ، فيكون المنع آكد . المسألة الرابعة - إذا ثبت أنّ نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معلّل بتحزين الواحد فإذا استأذنه فإذن له جاز ولم يحرم . واللّه عز وجل أعلم . الآية الحادية والخمسون - قوله تعالى « 1 » : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً . فيها ثماني مسائل : المسألة الأولى - روى أبو الأحوص قال : أتيت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قشف الهيئة ، فصعّد فىّ النظر وصوّبه فقال : هل لك من مال ؟ قلت : نعم : قال : من أي المال ؟ قلت : من كل المال آتاني اللّه فأكثر وأطيب « 2 » ؛ الخيل والإبل والرقيق والغنم . قال : فإذا آتاك اللّه مالا فلير عليك . ثم قال : هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتشق آذانها ، فتقول : هذه بحر ؛ وتشق جلودها ، وتقول : هذه صرم « 3 » لتحرّمها عليك وعلى أهلك ؟ قال : قلت : أجل . قال : فكلّ ما آتاك اللّه حلّ وموسى اللّه أحدّ ، وساعده أشدّ . . . الحديث . المسألة الثانية - لما كان من إبليس ما كان من الامتناع من السجود والاعتراض على الآمر به بالتسفيه أنفذ اللّه فيه حكمه وأحقّ عليه لعنته ، فسأله النظرة ، فأعطاه إياها زيادة في لعنته ، فقال لربه : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً . وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ، وكان ما أراد ، وفعلت العرب ما وعد به الشيطان ، كما تقدم في الحديث ، وذلك تعذيب للحيوان وتحريم ، وتحليل بالطغيان ، وقول بغير حجة ولا برهان ، والآذان في الأنعام جمال ومنفعة ، فلذلك رأى الشيطان أن يغيّر بها خلق اللّه تعالى ، ويركب على ذلك التغيير الكفر به ، لا جرم أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر في الأضحية أن تستشرف العين والآذان في الأنعام ، معناه أن تلحظ الأذن ؛ لئلا تكون مقطوعة أو مشقوقة ؛ فتجتنب من جهة أن فيها أثر الشيطان .
--> ( 1 ) الآية التاسعة عشرة بعد المائة . ( 2 ) في ا : رابطت . ( 3 ) بحر : جمع بحيرة : مشقوقة الأذن . الصرم : جمع صريم ، وهو الذي صرمت أذنه ، أي قطعت ( النهاية ) .