ابن العربي
489
أحكام القرآن
قالت جماعة منهم : أن ينقص من أربع إلى اثنين . وقال آخرون : يقصر من اثنين إلى واحدة . وقال علماؤنا : الآية تحتمل المعنيين [ جميعا ] « 1 » ؛ فأما القصر من هيآتها فقد ثبت عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فعلا حالة الخوف ، وأما القصر من عددها إلى ثنتين فقد ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم فعلا في حالة الأمن . وأما القصر في حالة الخوف إلى واحدة فقد روى عنه من طريقين : أحدهما قول ابن عباس في الصحيح : فرض اللّه الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة . ويأتي إن شاء اللّه بيانه . المسألة السابعة - قوله : إِنْ خِفْتُمْ ، فشرط اللّه تعالى الخوف في القصر . وقد اختلف العلماء في الشرط المتصل « 2 » بالفعل ؛ هل يقتضى ارتباط الفعل به حتى يثبت بثبوته ويسقط بسقوطه ؟ فذهب بعض « 3 » الأصوليين إلى أنه لا يرتبط به ، وهم نفاة دليل الخطاب ، ولا علم عندهم باللغة ولا بالكتاب . وقد بينا ذلك في المحصول بيانا شافيا . وعجبا لهم . قال « 4 » يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب : إنّ اللّه تعالى يقول : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ فها نحن قد أمنّا . قال : عجبت مما عجبت منه . فسألت عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال : صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته . وقال أميّة بن عبد اللّه بن أسيد لعبد اللّه بن عمر « 5 » : إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ، ولا نجد صلاة السفر ، يعنى نجد ذلك في هذه الآية فقال : إنّ اللّه تعالى بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلينا ونحن لا نعلم شيئا ، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ؛ فهذه الصحابة الفصح ، والعرب تعرف ارتباط الشرط بالمشروط ، وتسلم فيه وتعجب منه ، وهؤلاء يريدون أن يبدّلوا كلام العرب لأغراض صحيحة لا يحتاج إلى ذلك فيها ، فلينظر تحقيقه في كلامنا عليه .
--> ( 1 ) ليس في ل . ( 2 ) في ا : المتكمل ، ونراه تحريفا . والمثبت من ل . ( 3 ) في ا : معظم . ( 4 - 5 ) ابن ماجة : 339