ابن العربي

488

أحكام القرآن

وأما من قال : إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرض معيّن للسفر . وقد اختلف في ذلك قول علماء المذهب ، وهي مسألة تعلّقت لهم من أقوال العراقيين . وقد بينا في كتاب التلخيص وغيره فسادها . وقد تكلمنا على هذا الحديث في شرح مسائل الخلاف والحديث ، وبينا أنه خبر واحد ، يعارضه نصّ القرآن والأخبار المتواترة ؛ فإنّ اللّه سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفا ، والتمام أصلا ، ويعارض أيضا الأصول المعقولة ؛ فإنه جعل الإقامة في القرآن أصلا ، وهو الواجب وقلبها في الحديث الراوي ؛ وأقواه أنّ عائشة قالت : سافرنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقصر وأتممت ، وأفطر وصمت ، ولم ينكر ذلك علىّ ، وكانت تتم في السفر . وأما سفر المعصية فأشكل دليل فيه لهم أن قالوا : إنّا بنينا الأمر على أنّ القصر عزيمة وليس برخصة ، والعزائم لا تتغير بسفر الطاعة والمعصية كالتيمم . قلنا : قد بينا أنه رخصة ، وعليه تنبنى المسألة ، والرخص لا تجوز في سفر المعصية كالمسح على الخفين . المسألة الخامسة - تلاعب قوم بالدين ؛ فقالوا : إنّ من خرج من البلد إلى ظاهره قصر الصلاة وأكل . وقائل هذا أعجمىّ لا يعرف السفر عند العرب ، أو مستخفّ بالدين ؛ ولولا أنّ العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أن أفكّر فيه بفضول قلبي ؛ وقد كان من تقدّم من الصحابة يختلفون في تقديره ؛ فروى عن عمر وابن عمر وابن عباس أنهم كانوا يقدرونه بيوم . وعن ابن مسعود أنه كان يقدّره بثلاثة أيام يعلمهم بأنّ السفر كلّ خروج تكلّف له وأدركت فيه المشقة . المسألة السادسة - قوله : أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ : اختلف العلماء في تأويلها ؛ فمنهم من قال : إنّ القصر قصر عدد ، وهم الجمّ الغفير . ومنهم من قال : إنها قصر الحدود وتغيير الهيئات « 1 » . والذين قالوا : إن القصر في العدد

--> ( 1 ) في ل : لهيئة