ابن العربي

487

أحكام القرآن

تقلب الواجب من هذا حراما والحرام حلالا بحسب حسن القصد وإخلاص السر عن الشوائب . وقد تتنوّع هذه الأنواع إلى تفصيل ؛ هذا أصلها التي تتركب عليه . فإذا ثبت هذا فقد اختلف الناس في السفر الذي تقصر فيه الصلاة المذكورة ها هنا على ستة أقوال : الأول - أنها لا تقصر إلا في سفر واجب ؛ لأنّ الصلاة فرض ، ولا يسقط الفرض إلّا فرض . الثاني - أنها لا تقصر إلا في سفر قربة ، وبه قال جماعة ، منهم ابن حنبل . وتعلقوا بفعل النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبحديث عمران بن حصين ، قال : إنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يقصر إلّا في حج أو عمرة أو جهاد . الثالث - أنه يجوز القصر في كل سفر مباح ، كما قد بينا أنواعه ، لعموم قوله سبحانه : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ، ولم يفرق بين سفر وسفر . الخامس - أنه يقصر في كل سفر ، حتى في سفر المعصية ، وهو قول أبي حنيفة وجماعة ، بنوه على أنّ القصر فرض الصلاة في السفر بعينه ؛ وتعلقوا بحديث عائشة « 1 » : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرّت صلاة السفر على أصلها . السادس - أنّ القصر لا يجوز إلا مع الخوف ، قال به جماعة منهم عائشة ، قالت : أتمّوا ، فقالوا لها : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقصر . قالت : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في حرب ، وكان يخاف ؛ فهل تخافون أنتم ؟ أما القول الأول ففاسد ؛ لأن عموم القرآن لم يخص منها واجبا من ندب ، وقد قصر النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم في غير الواجب ، كالعمرة في الحديبية وغيرها . وأما من قال : لا تقصر إلّا في سفر قربة فعموم القرآن أيضا يقضى عليه ، لأنه عمّ ولم يخصّ قربة من مباح ، وهو القول الثالث الصحيح .

--> ( 1 ) ابن ماجة : 339 ، البخاري : 2 - 456 ، وفيه : فأتممت صلاة الحضر .