ابن العربي
471
أحكام القرآن
قلنا : معناه أنّ المؤمنين أبعد من ذلك بحنانهم وأخوّتهم وشفقتهم وعقيدتهم ؛ فلذلك خصّ المؤمن بالتأكيد ، ولما يترتّب عليه من الأحكام أيضا حسبما نبيّن ذلك بعد . المسألة الثانية - قوله تعالى : إِلَّا خَطَأً : قال علماؤنا : هذا استثناء من غير الجنس ، وله يقول النحاة الاستثناء المنقطع إذا لم يكن من جنس الأول ؛ وذلك كثير في لسان العرب ؛ وقد بينّا حقيقته في رسالة الملجئة . ومعناه أن يأتي الاستثناء على معنى ما تقدّم من اللفظ ، لا على نفس اللفظ ، كما قال الشاعر « 1 » : وما بالرّبع من أحد * إلّا الأوارى . . . فلم تدخل الأوارىّ في لفظ أحد ، ولكن دخلت في معناه . أراد : وما بالرّبع أحد ، أي [ غير ] « 2 » ما كان فيه ، أو أثر كله ذاهب ، إلّا الأوارى ، وكذلك قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ؛ المعنى ما كان لمؤمن أن يفوت نفس مؤمن بكسبه إلا أن يكون بغير قصده إلى « 3 » وصفه ؛ فافهمه وركّبه تجده بديعا . المسألة الثالثة - أراد بعض أصحاب الشافعي أن يخرج هذا من الاستثناء المنقطع ؛ ويجعله متصلا لجهله باللغة وكونه أعجميا في السلف ؛ فقال : هو استثناء صحيح . وفائدته أنّ له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال ، فيا للّه ! ويا للعالمين من هذا الكلام ! كيف يصحّ في عقل عاقل أن يقول : أبيح له أن يقتله خطأ ، ومن شرط الإذن والإباحة علم المكلّف وقصده ، وذلك ضدّ الخطأ ، فالكلام لا يتحصّل معقولا . ثم قال : وهو أن يرى عليه لبسة المشركين والانحياز إليهم كقصة حذيفة مع أبيه يوم أحد .
--> ( 1 ) من بيتين للنابغة هما : وقفت بها أصيلانا أسائلها * عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد إلّا الأوارىّ لأيا ما أبيّنها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد ديوان النابغة : 2 ، وفيه : إلا أوارى . ( 2 ) ليس في ل . ( 3 ) هكذا في الأصول .