ابن العربي
461
أحكام القرآن
فالجواب أن نقول : هذا لا يلزم لثلاثة أوجه : أحدها - أنّ من الممكن أن يفرض الباري سبحانه الزكاة قائمة لسدّ خلّة الفقراء ، ويحتمل أن يكون فرضها قائمة بالأكثر ، وترك الأقلّ ليسدّها بنذر العبد الذي يسوقه القدر إليه . الثاني - أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخذ الزكاة في زمنه فلم تقم الخلّة المذكورة بالفقراء حتى كان يندب إلى الصدقة ، ويحثّ عليها . الثالث - للفضلين « 1 » : إنّ الزكاة إذا أخذها الولاة ، ومنعوها من مستحقيها ، فبقى المحاويج فوضى ؛ هل يتعلق إثمهم بالناس أم يكون على الوالي خاصة ؟ فيه نظر ؛ فإن علم أحد بخلّة مسكين تعيّن عليه سدّها دون غيره إلّا أن يعلم بها سواه ، فيتعلّق الفرض بجميع من علمها ، وقد بينا ذلك في التفسير . الآية الموفية أربعين - قوله تعالى « 2 » : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ هي قصور السماء ، ألا تسمع قول اللّه سبحانه « 3 » : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ . قال علماؤنا : والبروج التي في السماء اثنا عشر برجا عند العرب ، وعند جميع الأمم : الحمل ، الثور ، الجوزاء ، السرطان ، الأسد ، السنبلة ، الميزان ، العقرب ، القوس ، الجدى ، الدلو ، الحوت . وقد يسمون الحمل الكبش ، والجوزاء التوأمين ، والسنبلة العذراء ، والعقرب الصورة ، والقوس الرامي ، والحوت السمكة . وتسمى أيضا الدلو الرشا . قال القاضي أبو بكر : خلق اللّه هذه البروج منازل للشمس والقمر ، وقدّر فيها « 4 » ، ورتّب الأزمنة عليها ، وجعلها جنوبية وشمالية ، دليلا على المصالح ، وعلما على القبلة ، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل والنهار ، لمعرفة أوقات التهجّد ، وغير ذلك من أحوال المعاش والتعمّد ، وسنستوفى ذلك بيانا في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) هكذا في الأصول . ( 2 ) الآية الثامنة والسبعون . ( 3 ) سورة البروج ، آية 1 ( 4 ) في ا : وقدره فيها ، وهو تحريف .