ابن العربي
460
أحكام القرآن
أن يواسوهم ، فإن المواساة دون المفاداة ، فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا ؟ في ذلك لعلمائنا قولان ؛ أصحّهما الرجوع . الثانية - فإن امتنع من عنده مال من ذلك ؟ قال علماؤنا : يقاتله إن كان قادرا على قتاله ، وهو قول مالك في كتاب محمد . فإن قتل « 1 » المانع الممنوع كان عليه القصاص ، فإن لم يكن قادرا على قتاله فتركه حتى مات جوعا ؛ فإن كان المانع جاهلا بوجوب المواساة كان في الميّت الدية على عاقلة المانع ، وإن كان عالما بوجوب المواساة ففي المسألة ثلاثة أقوال : الأول - عليه القصاص . الثاني - عليه الدّية في ماله . الثالث - الدية على عاقلته . وقد روى عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « 2 » : إن الأشعريّين إذا أرملوا « 3 » في الغزو أو قلّ طعامهم جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، واقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة فهم منّى وأنا منهم . الثالثة - في تنقيح هذه المسألة : قال بعض علماؤنا : روى طلحة بن عبد اللّه أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما علّم السائل معالم الدين وأركان الإسلام قال له : والزكاة ؟ قال : هل علىّ غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوّع . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أفلح إن صدق . دخل الجنة إن صدق . وهذا نصّ في أنه لا يتعلق بالمال حقّ سوى الزكاة . والصحيح أنّ هذا الحديث لا يمنع من وجوب حقّ في المال غير الزكاة لثلاثة أوجه : أحدها - أنّ المراد بهذا الحديث لا فرض ابتداء في المال والبدن إلا الصلاة والزكاة والصيام ، فأمّا العوارض فقد يتوجّه فيها فرض من جنس هذه الفروض بالنذر وغيره . الثاني - أنّ أركان الإسلام من الصلاة والصيام عبادات لا تتعدى المتعبّد بها . وأما المال فالأغراض به متعلّقة ، والعوارض عليه مختلفة . فإن قيل : إنما فرض اللّه سبحانه الزكاة ليقوم بحقّ الفقراء أو يسدّ خلّتهم ، وإلّا فتكون الحكمة قاصرة .
--> ( 1 ) في ا : قيل ، وهو تحريف . ( 2 ) صحيح مسلم : 1945 ( 3 ) أرملوا : نفد زادهم ( النهاية ) .