ابن العربي

444

أحكام القرآن

وقد قالت طائفة : اللّمس هنا الجماع . وقالت أخرى : هو اللمس المطلق لغة أو شرعا ؛ فأما اللغة فقد قال المبرد : لمستم : وطئتم ، ولامستم : قبّلتم ؛ لأنها لا تكون إلا من اثنين ، والذي يكون بقصد وفعل من المرأة هو التقبيل ، فأما الوطء فلا عمل لها فيه . قال أبو عمرو : الملامسة الجماع ، واللمس لسائر الجسد ، وهذا كلّه استقراء لا نقل فيه عن العرب . وحقيقة النّقل أنه كله سواء ؛ « وإن لمستم » محتمل للمعنيين جميعا ، كقوله : لامستم ، ولذلك لا يشترط لفعل الرجل شيء من المرأة . وقد قال ابن عباس : إنّ اللّه تعالى حيي كريم يعفّ « 1 » ؛ كنى باللمس عن الجماع . وقال ابن عمر : قبلة الرجل امرأته وجسّها بيده من الملامسة ، وكذلك قال ابن مسعود ، وهو كوفي ، فما بال أبي حنيفة خالفه ؟ ولو كان معنى القراءتين مختلفين لجعلنا لكلّ قراءة حكمها ، وجعلناهما بمنزلة الآيتين ، ولم يتناقض ذلك ولا تعارض ؛ وهذا تمهيد المسألة . ويكمله ويؤكده ويوضحه أنّ قوله : وَلا جُنُباً أفاد الجماع ، وأن قوله تعالى : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أفاد الحدث ، وأنّ قوله : أَوْ لامَسْتُمُ أفاد اللمس والقبل ؛ فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام ، وهذا غاية في العلم والإعلام ، ولو كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارا ، وكلام الحكيم يتنزّه عنه ، واللّه أعلم . فإن قيل : ذكر اللّه سبحانه الجنابة ولم يذكر سببها ، فلما ذكر سبب الحدث - وهو المجيء من الغائط - ذكر سبب الجنابة ، وهو الملامسة للجماع ؛ ليفيد أيضا بيان حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء ، كما أفاد بيان حكمها عند وجود الماء . قلنا : لا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس ، ويفيد الحكمين ، وقد حقّقنا ذلك في أصول الفقه . المسألة الثالثة والعشرون - راعى مالك في اللمس القصد ، وجعله الشافعي ناقضا للطهارة

--> ( 1 ) في ا : يعفو .