ابن العربي
436
أحكام القرآن
حال عمر من هذا ، فإنّ ذلك نظر في عبادة لعبادة مثلها أو أعظم في بعض الأحوال منها ، ومع هذا فإنما يكون ذلك لحظة مع الغلبة ثم يصحو إلى نفسه ، بخلاف السكران والنائم والغاضب ومدافع الأخبثين ، فإنه لا يمكنه إحضار ذهنه لغلبة الحال عليه . المسألة التاسعة - قوله تعالى : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ : الجنب في اللغة : البعيد ، بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة ، وقد كان عندهم الجنب معروفا ، وهو الذي غشى النساء ، والحديث عندهم معروفا . وهو ما خرج من السّبيلين على الوجه المعتاد ، ثم أثبتت الشريعة بعد ذلك زياداته وتفصيله ، وهو إيلاج في قبل أو دبر بشرط مغيب الحشفة دون إنزال ، أو إنزال الماء دون مغيب الحشفة ، أو مجموعهما على حسب ما بينّا في كتب الحديث والمسائل ، فلينظر هناك . المسألة العاشرة - قوله تعالى : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ : أما من قال : إنّ المراد بقوله : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ لا تقربوا مواضع الصلاة ، فتقدير الآية عندهم : لا تقربوا المساجد وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا تقربوها جنبا حتى تغتسلوا ، إلّا عابري سبيل ؛ أي مجتازين غير لابثين ؛ فجوّزوا العبور في المسجد من غير لبث فيه . وأما من قال : إنّ المراد بذلك نفس الصلاة فإن تقدير الآية : لا تصلّوا وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلّا عابري سبيل حتى تغتسلوا لها ، أو تكونوا مسافرين ، فتيمّموا وتصلّوا وأنتم جنب حتى تغتسلوا إذا وجدتم الماء . ورجّح أهل القول الأول مذهبهم بما روى عن جابر بن عبد اللّه وابن مسعود أنه كان أحدنا يمرّ بالمسجد وهو جنب مجتازا . ورجّح الآخرون بما روى « 1 » أفلت بن خليفة ، عن جسرة بنت دجاجة ، عن عائشة أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بردّ الأبواب الشارعة إلى المسجد ، وقال : لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب . خرّجه أبو داود وغيره . والمسألة تفتقر إلى تفصيل تنقيح ، وقد أحكمناها في مسائل الخلاف بما نشير إليه ها هنا فنقول :
--> ( 1 ) ابن كثير : 501