ابن العربي
395
أحكام القرآن
المسألة الثامنة - قوله تعالى : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ . بهذا استدلّ مالك على أنّ نكاح الأمة الكافرة لا يحلّ ؛ لأن اللّه تعالى أباح نكاح المؤمنة ، فكان شرطا في نكاح الإماء الإيمان . فإن قيل : هذا استدلال بدليل الخطاب ونحن لا نقول به . قلنا : ليس هذا استدلالا بدليل الخطاب من أربعة أوجه : الأول - أنّ هذا استدلال بالتعليل ؛ فإنّ اللّه تعالى ذكر الإيمان في نكاحهنّ ، وذكر الصفة في الحكم تعليل ، كما لو قال : أكرموا العالم واحفظوا الغريب لكان تنصيصا على الحكم وعلى علّته ، وهي العلم والغربة فيتعدّى الإكرام [ والحفظ ] « 1 » لكل عالم وغريب ، ولا يتعدّى إلى سواهما « 2 » . الثاني - أن اللّه تعالى قال « 3 » : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ؛ فكان هذا تعليلا يمنع من النكاح في المشركات . الثالث - أن اللّه تعالى قال : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، فإذا لم يكن الإيمان شرطا في الإحلال ولا العفّة تبيّن أنّ المراد بالإحصان ها هنا الحرية . الرابع - أنّ اللّه تعالى قال في هذه الآية : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فلينكح الفتيات المؤمنات ، فالإحصان هاهنا في الحرية قطعا ، فنقلناه من حرة مؤمنة إلى أمة مؤمنة ، وقال في آية أخرى « 4 » : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ . ثم قال « 5 » وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ ، يعنى حلّ لكم ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حلّ لكم أيضا ، يريد بذلك الحرائر لا معنى له سواه ، فأفادت الآية حلّ الحرة الكتابية ، وبقيت الأمة الكافرة تحت التحريم . فإن قيل : فقد قال « 6 » : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ، فخاير بينهما ، والمخايرة لا تكون بين ضدّين ، وقد تقدم « 7 » الجواب عنه في سورة البقرة . المسألة التاسعة - لما أكمل اللّه تعالى بيان المحرّمات الحاضرات في ذلك الوقت للتكليف ، وقال بعده « 8 » : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ، فلو وقع هذا الإحلال بنصّ لكان ما يأتي بعده
--> ( 1 ) من ل . ( 2 ) في ل : ولا يتعداهما . ( 3 - 4 - 5 ) سورة المائدة ، آية 5 ( 6 ) سورة البقرة ، آية 221 ( 7 ) صفحة 157 ( 8 ) سورة النساء ، آية 24