ابن العربي
344
أحكام القرآن
الثالث - أنّ وجود الوصية أكثر من وجود الدّين ؛ فقدّم في الذكر ما يقع غالبا في الوجود . الرابع - أنه ذكر الوصية ، لأنه أمر مشكل ، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله أم لا ؟ لأنّ الدّين كان ابتداء تاما مشهورا أنه لا بدّ منه ، فقدم المشكل ، لأنّه أهم في البيان . الخامس - أنّ الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصور ، فلما ضعّفها النسخ قويت بتقديم الذكر ؛ وذكرهما معا كان يقتضى أن تتعلّق الوصية بجميع المال تعلّق الدّين . لكن الوصية خصصت ببعض المال ، لأنها لو جازت في جميع المال لاستغرقته ولم يوجد ميراث ؛ فخصّصها الشرع ببعض المال ؛ بخلاف الدّين ، فإنه أمر ينشئه بمقاصد صحيحة في الصحة والمرض ، بيّنة المناحى في كل حال ؛ يعمّ تعلّقها بالمال كله . ولما قام الدليل وظهر المعنى في تخصيص الوصية ببعض المال قدّرت ذلك الشريعة بالثلث ، وبيّنت المعنى المشار إليه على لسان النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث سعد ؛ قال سعد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : يا رسول اللّه ، لي مال ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأتصدّق بثلثي مالي . . . الحديث ، إلى أن قال له النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : الثلث والثلث كثير ، إنّك [ 120 ] إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون النّاس . فظهرت المسألة قولا ومعنى وتبيّنت حكمة وحكما . المسألة الخامسة عشرة - لما ذكر اللّه تقديم الدّين على الوصية تعلّق بذلك الشافعىّ في تقديم دين الزكاة والحجّ على الميراث ، فقال : إن الرجل إذا فرّط في زكاته وحجّه أخذ ذلك من رأس ماله . وقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أدّيت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء . وتعلّق الشافعي ظاهر ببادئ الرأي ، لأنه حقّ من الحقوق ؛ فلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين ، لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمىّ . ومتعلّق مالك أنّ ذلك موجب إسقاط الزكاة أو ترك الورثة فقراء ، لأنه يعتمد ترك
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1252