ابن العربي

325

أحكام القرآن

الرابع - أنّ المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضرّ بنسل ولا ناهك في جلب . قال ابن العربي : أما من قال : إنه منسوخ فهو بعيد ، لا أرضاه ؛ لأن اللّه تعالى يقول : فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، وهو الجائز الحسن ؛ وقال : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً فكيف ينسخ الظلم المعروف ؟ بل هو تأكيد له في التجويز ؛ لأنه خارج عنه مغاير له ؛ وإذا كان المباح غير المحظور لم يصحّ دعوى نسخ فيه . وهذا أبين من الإطناب . وأما من قال : إن المراد به اليتيم فلا يصحّ لوجهين : أحدهما - أنّ الخطاب لا يصلح أن يكون له ؛ لأنه غير مكلف ولا مأمور بشيء من ذلك . الثاني - أنه إن كان غنيا أو فقيرا إنما يأكل بالمعروف ؛ فسقط هذا . وأما من قال : إنّ الولي إن كان غنيا عفّ وإن كان فقيرا أكل فهو قول عمر ؛ روى عنه أنه قال : إنما أنا في بيت المال كولىّ اليتيم إن استغنيت تركت ، وإن احتجت أكلت ؛ وبه أقول . وأما استثناء اللبن ، ومثله التمر ، فهو على قول مالك ؛ لقول ابن عباس : اشرب غير مضرّ بنسل ولا ناهك للحلب ؛ ولأنّ شرب اللبن من الضرع ؛ وأكل التمر من الجذوع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه . فإن أكل هل يقضى ؟ اختلف الناس فيه ؛ فروى عن عمر أنه قال : إن أكلت قضيت . واختلف في ذلك قول عكرمة ؛ وهو قول عبيدة السلماني وأبى العالية ، وهو أحد قولي ابن عباس . فأمّا من نفى القضاء فاحتجّ بأنّ الأكل له ، كما أنّ النظر عليه ؛ فجرى مجرى الأجرة . وأما من يرى القضاء فاحتجّ بقوله سبحانه : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ فمنع منه ، فإن فعل قضى . ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، أي بقدر الحاجة ، ويقضى كما يقضى المضطر إلى المال في المخمصة . قال عبيدة السلماني - في قول اللّه سبحانه : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ : ذلك دليل على وجوب القضاء على من أكل .