ابن العربي

321

أحكام القرآن

وأما الإناث فلا بدّ في شرط اختيارهنّ من وجود نفس الوطء عند علمائنا ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد . وقال الشافعي وأبو حنيفة : وجه اختيار الرشد في الذكور والإناث واحد ، وهو البلوغ إلى القدرة على النكاح ؛ والحكمة في الفرق بينهما حسبما رآه مالك قد قررناها في مسائل الخلاف ؛ نكتته أنّ الذّكر بتصرّفه وملاقاته للناس من أول نشأته إلى بلوغه يحصل به الاختبار ، ويكمل عقله بالبلوغ فيحصل له الغرض . وأما المرأة فبكونها محجوبة لا تعاني الأمور ، ولا تخالط ، ولا تبرز لأجل حياء البكارة وقف فيها على وجود النكاح ، فيه تفهم المقاصد كلها . قال مالك : إذا احتلم الغلام ذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه فيقصر حتى يؤمن أمره ، ولأبيه تجديد الحجر عليه إن رأى خللا منه . وأما الأنثى فلا بدّ - بعد دخول زوجها - من مضىّ مدة من الزمان عليها تمارس فيها الأحوال ، وليس في تحديد المدة دليل . وذكر علماؤنا في تحديده أقوالا عديدة ؛ منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات « 1 » الأب ، وجعلوه في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصىّ عليها عاما واحدا بعد الدخول ، وجعلوه في المولى عليها مؤبّدا حتى يثبت رشدها . وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير ، وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة ، وأما تمادى الحجر في المولى عليها حتى يتبيّن [ 115 ] رشدها فيخرجها الوصىّ منه أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن ، وأما سكوت الأب عن ابنته فدليل على إمضائه لفعلها ، فتخرج دون حكم بمرور مدة من الزمان يحصل فيه الاختبار ؛ وتقديره موكول إلى اجتهاد الولىّ ، وفي ذلك تفصيل طويل ، واختلاف كثير موضعه كتب المسائل . والمقصود منه أنّ ذلك كلّه دخل تحت قوله سبحانه : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، فتعيّن

--> ( 1 ) أي في التي لها أب .