ابن العربي
319
أحكام القرآن
لأنّ الأموال مشتركة بين الخلق ، تنتقل من يد إلى يد ، وتخرج عن ملك إلى ملك ، وهذا كقوله تعالى « 1 » : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ : معناه لا يقتل بعضكم بعضا ؛ فيقتل القاتل فيكون قد قتل نفسه ، وكذلك إذا أعطى المال سفيها فأفسده رجع النقصان إلى الكل . والصحيح أنّ المراد به الجميع ، لقوله تعالى : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً ، وهذا عامّ في كل حال . المسألة الثالثة - قوله تعالى : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ . لا يخلو أن يكون المراد بذلك ولىّ اليتيم ؛ فهو مخاطب بالتقدير المتقدّم من اشتراك الخلق في الأموال ، وإن كان المخاطب به الآباء ، فهذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد . المسألة الرابعة - قوله تعالى : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً . المعنى - لا تجمعوا بين الحرمان وجفاء القول لهم ، ولكن حسّنوا لهم الكلام ؛ مثل أن يقول الرجل لوليه : أنا أنظر إليك ، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك . ويقول الأب لابنه : مالي إليك مصيره ، وأنت إن شاء اللّه صاحبه إذا ملكتم رشدكم وعرفتم تصرّفكم . الآية السادسة - قوله تعالى « 2 » : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً . فيها خمس عشرة مسألة : المسألة الأولى - الابتلاء هنا الاختبار ، لتحصل معرفة ما غاب من علم العاقبة أو الباطن عن الطالب لذلك . المسألة الثانية - قوله [ 114 ] تعالى : الْيَتامى قد تقدم « 3 » بيانه . المسألة الثالثة - في وجه تخصيص اليتامى : وهو أنّ الضعيف العاجز عن النظر لنفسه ومصلحته لا يخلو أن يكون له أب يحوطه ،
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية 29 ( 2 ) الآية السادسة . ( 3 ) صفحة 154 من هذا الجزء .