ابن العربي
317
أحكام القرآن
واحد منهما بدل عن صاحبه ، ومنفعة كلّ واحد منهما لصاحبه عوض عن منفعة الآخر ، والصّداق زيادة فرضه اللّه تعالى على الزواج لما جعل له في النكاح من الدرجة ، ولأجل خروجه عن رسم العوضية جاز إخلاء النكاح عنه ، والسكوت عن ذكره ، ثم يفرض بعد ذلك بالقول ، أو يجب بالوطء . وكذلك أيضا قالوا : لو فسد الصداق لما تعدّى فساده إلى النكاح ، ولا يفسخ النكاح بفسخه لمّا كان معنى زائدا على عقده وصلة في حقه ، فإن طابت المرأة نفسا بعد وجوبه بهبته للزوج وحطّه فهو حلال له ، وإن أبت فهي على حقها فيه ، كانت بكرا أو ثيّبا حسبما اقتضاه عموم القرآن في ذلك . وقال علماؤنا : إنّ اللّه سبحانه جعل الصّداق عوضا ، وأجراه مجرى سائر أعواض المعاملات المتقابلات ، بدليل قوله تعالى : « 1 » فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ؛ فسماه أجرا ، فوجب أن يخرج به عن حكم النّحل إلى حكم المعاوضات . وأما تعلّقهم بأنّ كلّ واحد من الزوجين يتمتّع بصاحبه ويقابله في عقد النكاح ، وأنّ الصداق زيادة فيه فليس كذلك ؛ بل وجب الصداق على الزوج ليملك به السلطنة على المرأة ، وينزل معها منزلة المالك مع المملوك فيما بذل من العوض فيه ، فتكون منفعتها بذلك له فلا تصوم إلّا بإذنه ، ولا تحجّ إلا بإذنه ، ولا تفارق منزلها إلّا بإذنه ، ويتعلق حكمه بمالها كلّه حتى لا يكون لها منه إلّا ثلثه ، فما ظنّك ببدنها . وقد روى عن مالك أنه قال : يفسد النكاح لفساده ، فيفسخ قبل وبعد . والمشهور أنه يفسخ قبل الدخول ، ويثبت بعده ، لما فات من الانتفاع ومضى من الاستمتاع . وروى أنه لا يفسخ لا قبله ولا بعده ، على ما تقرّر في المسائل الخلافية . وأما طيب نفس المرأة به إن كانت مالكة فصحيح داخل تحت العموم . وأما البكر فلم تدخل تحت العموم ؛ لأنها لا تملك مالها ، كما لم تدخل فيه الصغيرة عندهم والمجنونة والأمة . وإن كنّ من الأزواج ، [ 113 ] ولكن راعى قيام الرّشد ، ودليل التملك للمال
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : 24