ابن العربي

300

أحكام القرآن

الثالث - أنه خيانة الغنيمة ؛ وسمى بذلك لوجهين : أحدهما لأنه جرى على خفاء . الثاني قال ابن قتيبة : كان أصله من خان فيه إذا أدخله في متاعه فستره فيه . ومنه الحديث : لا إغلال « 1 » ولا إسلال . وفيه تفسيران : أحدهما - أنّ الإغلال خيانة المغنم ، والإسلال : السرقة مطلقة . الثاني - أنّ الإغلال والإسلال السرقة . والصحيح عندي أن الإغلال خيانة المغنم ، والإسلال سرقة الخطف من حيث لا تشعر ، كما يفعل سودان مكّة اليوم . المسألة الثالثة - في القراءات : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم يغل بضم الغين ، وفتحها الباقون ، وهما صحيحتان قراءة ومعنى . المسألة الرابعة - في معنى الآية : فأما من قرأها بضم الغين فمعناه : ما كان لنبىّ أن يخون في مغنم ؛ فإنه ليس بمتّهم . ولا في وحى ، فإنه ليس بظنين ولا ضنين ، أي ليس بمتهم عليه ولا بخيل فيه ، فإنه إذا كان أمينا حريصا على المؤمنين فكيف يخون وهو يأخذ ما أحبّ من رأس الغنيمة ويكون له فيه سهم الصفىّ « 2 » ؛ إذا كان له أن يصطفى من رأس الغنيمة ما أراد ، ثم يأخذ الخمس وتكون القسمة بعد ذلك ؟ فما كان ليفعل ذلك كرامة أخلاق وطهارة أعراق ، فكيف مع مرتبة النبوة وعصمة الرسالة . ومن قرأ يغل - بنصب الغين فله أربعة معان : الأول - يوجد غالّا ، كما تقول : أحمدت فلانا . الثاني - ما كان لنبي أن يخونه أحد ، وقد روى أنّ هذا تلى على ابن عباس ، وفسر بهذا علىّ وابن مسعود . فقال : نعم ويقتل . وهذا لا يصحّ عندنا ؛ فإن باعه في العلم والتفسير لا يبوعه « 3 » أحد من الخلق ، فإنه ليس المعنى بقوله : وما كان لنبىّ أن يغل - بفتح الغين ، أن يخونه أحد وجودا ، إنما المراد

--> ( 1 ) في ا : لا إقلال . ( 2 ) الصفي من الغنيمة : ما اختاره الرئيس لنفسه قبل القسمة . ( 3 ) لا يبوعه : يريد لا يجاريه .