ابن العربي
298
أحكام القرآن
وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في حديث الإفك حين خطب « 1 » : أشيروا علىّ في أناس أبنوا أهلي ، واللّه ما علمت على أهلي إلّا خيرا ، يعنى بقوله « أبنوهم » « 2 » عيّروهم . ولم يكن هذا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سؤالا لهم عن الواجب ، وإنما أراد أن يستخرج ما عندهم من التعصّب لهم وإسلامهم إلى الحق الواجب عليهم ؛ فقال له رجل من الأنصار ، من الأوس : يا رسول اللّه ؛ أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه بأمرك . فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحميّة ، فقال لذلك الأوسي : كذبت ، لعمر اللّه لا تقتله ، ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم الأوسي المتكلم أولا ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت ، لعمر اللّه لنقتلنّه ، فإنك رجل منافق تجادل عن المنافقين ، فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائم على المنبر ؛ فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتى سكتوا . وكانت هذه فائدة لمن بعده ليستنّ بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المشاورة . وقد روى أبو عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود عن أبيه قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما تقولون في هؤلاء الأسارى ؟ فذكر في الحديث قصة طويلة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يفلتنى أحد منهم إلّا بفداء أو ضرب عنق . قال عبد اللّه بن مسعود : فقلت : يا رسول اللّه ، إلّا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ قال : فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع علىّ حجارة من السماء منّى في ذلك اليوم ، حتى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إلا سهيل بن بيضاء . قال : ونزل القرآن بقول عمر « 3 » : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . . . الآية . قال القاضي : وهذا حديث صحيح ، وهو على النحو الأول أراد أن يختبر ما عندهم في قرابتهم وحال أنفسهم فيما يفعل بهم .
--> ( 1 ) مسلم : 2134 ، وابن كثير : 1 - 420 ( 2 ) في ابن كثير : أبنوا أهلي ورموهم . ( 3 ) سورة الأنفال ، آية 67