ابن العربي

290

أحكام القرآن

لا يلزمها تخليصه من مأثم الدين وعار الاقتضاء ، فدين اللّه أحق بالقضاء ؛ وهذه الكلمة أقوى [ 98 ] ما في الحديث ، فإنه جعله دينا ، ولكن لم يرد به هذا الشخص المخصوص ، فإنما أراد به دين اللّه إذا وجب فهو أحقّ بالقضاء ، والتطوع به أولى من الابتداء . والدليل على أنّ الحجّ في هذا الحديث ليس بفرض ما صرّحت به المرأة في قولها : إنّ فريضة اللّه على عباده في الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة ، ولا يجوز ما انتفى في أول الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنّا . يحققه أنّ دين اللّه أحق أن يقضى ليس على ظاهره بإجماع ؛ فإنّ دين العبد أولى بالقضاء ، وبه يبدأ إجماعا لفقر الآدمي واستغناء اللّه تعالى ، فيتعيّن الغرض الذي أشرنا إليه ، وهو تأكيد ما ثبت في النفس من البر حياة وموتا وقدرة وعجزا ، واللّه أعلم . المسألة العاشرة - إذا لم يكن للمكلّف قوت يتزوّده في الطريق لم يلزمه الحجّ إجماعا ، وإن وهب له أجنبي ما لا يحجّ به لم يلزمه قبوله إجماعا ، ولو كان رجل وهب أباه مالا قال الشافعي : يلزمه قبوله ؛ لأنّ ابن الرجل من كسبه ولا منّة عليه في ذلك منه ، لأنّ الولد يجازى الوالد عن نعمه لا يبتدئه بعطية . قال مالك وأبو حنيفة : لا يلزمه قبوله ؛ لأنّ هبة الولد لو كانت جزاء لقضى بها عليه قبل أن يتطوّع بها ، ثم إن لم تكن فيه منّة ففيه سقوط الحرمة ، وحق الأبوة ؛ لأنه نوع منه ؛ لأنه لا يقال قد جزاه وقد وفاه . المسألة الحادية عشرة - لا يسقط فرض الحج عن الأعمى لإمكان وصوله إلى البيت محمولا ؛ فيحصل له وصف الاستطاعة ، كما يحصل له فرض الجمعة بوجود قائد إليها ، ويلزم السعي لقضائها . الآية السادسة عشرة - قوله تعالى « 1 » : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها : فيها أربع مسائل :

--> ( 1 ) الآية الثالثة بعد المائة .