ابن العربي
280
أحكام القرآن
وقد مهّدنا ذلك في شرح الحديث بما الكافي منه الآن لكم ترجيح الجواز ؛ لأنّ النهى إنما كان لتخليص الاعتقاد من أن يعتقد لغير اللّه عبودية أو في سواه ربوبية ، فلما حصلت العقائد كان الجواز . المسألة السادسة - قوله تعالى : بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ . قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بضم التاء ، وكأنّ معناه لا تتخذوهم عبادا بحقّ تعليمكم ، فإنه فرض عليكم أو إشراك في نيّتكم ، أو استعجال لأجركم ، أو تبديل لأمر الآخرة بأمر الدنيا ؛ واختاره الطبري على قراءة فتح التاء . قال شيخنا أبو عبد اللّه العربي : كذلك يقتضى صفة العلم وقراءته ؛ لأنّ العلم إنما هو للتعليم لتحريم كتمان العلم ، والأمر في ذلك قريب ؛ وليس هذا موضع تحريره . الآية الثانية عشرة - قوله تعالى « 1 » : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ . فيها خمس مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ . معناه تصيبوا ، يقال : نالني خير ينولنى ، وأنالنى خيرا ؛ ويقال : نلته أنوله معروفا ونولنه ، قال اللّه تعالى « 2 » : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ؛ أي لا يصل إلى اللّه شيء من ذلك لتقديسه عن الاتصال والانفصال . المسألة الثانية - الْبِرَّ * قد بيناه في كتاب الأمد الأقصى وشفينا النفس من إشكاله . قيل : إنه ثواب اللّه ، وقيل : إنه الجنة ؛ وذلك يصل البرّ إليه لكونه على الصفات المأمور بها . المسألة الثالثة - حَتَّى تُنْفِقُوا . المعنى حتى تهلكوا ، يقال : نفق إذا هلك « 3 » . المعنى حتى تقدّموا من أموالكم في سبيل اللّه ما تتعلّق به قلوبكم . المسألة الرابعة - في تفسير هذه النفقة :
--> ( 1 ) الآية الثانية والتسعون . ( 2 ) سورة الحج ، آية 37 ( 3 ) في المصباح : نفق الشيء : فنى ، وأنفقته : أفنيته .