ابن العربي

273

أحكام القرآن

واختلف فيه نقل المفسرين على روايتين : الأولى - روى أن زكريا قال : أنا أحقّ بها ، خالتها « 1 » عندي . وقال بنو إسرائيل : نحن أحقّ بها ، بنت عالمنا ، فاقترعوا عليها بالأقلام ، وجاء كلّ واحد بقلمه ، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري ، فمن وقف قلمه ولم يجر في الماء فهو صاحبها « 2 » قال النبي عليه السلام : فجرت الأقلام وعال « 3 » قلم زكريا ؛ كانت آية ، لأنه نبي تجرى الآيات على يده . الثاني - أنّ زكريا كان يكفلها حتى كان عام مجاعة فعجز وأراد منهم أن يقترعوا ، فاقترعوا ، فوقعت القرعة عليهم « 4 » لما أراد اللّه من تخصيصه بها . ويحتمل أن تكون أنها لما نذرتها للّه تخلّت عنها حين بلغت السعي ، واستقلّت بنفسها ، فلم يكن لها بدّ من قيّم ، إذ لا يمكن انفرادها بنفسها ، فاختلفوا فيه فكان ما كان . المسألة الثانية - القرعة أصل في شريعتنا ؛ ثبت أن النبي عليه السلام كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها ، وهذا مما لم يره مالك شرعا . والصحيح أنه دين ومنهاج لا يتعدى ، وثبت عنه أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم أن رجلا أعتق عبيدا له ستة في مرضه لا مال له غيرهم . فأقرع النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم ، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة . وهذا مما رآه مالك والشافعي ؛ وأباه أبو حنيفة ؛ واحتج بأنّ القرعة في شأن زكريا وأزواج النبىّ عليه السلام كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز . وأما حديث الأعبد فلا يصحّ التراضي في الحرية ولا الرضا ؛ لأن العبودية والرق إنما ثبتت بالحكم دون قرعة فجازت ، ولا طريق للتراضى فيها ، وهذا ضعيف ؛ فإنّ القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاحّ « 5 » فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر ، ولا يصحّ لأحد أن يقول : إنّ القرعة تجرى في موضع التراضي ، وإنها لا تكون أبدا مع

--> ( 1 ) ابن كثير ( 1 - 363 ) . ( 2 ) في القرطبي : فهو حاضنها . ( 3 ) عال : ارتفع . ( 4 ) هكذا بالأصل . ( 5 ) تشاح الخصمان : أراد كل منهما أن يكون هو الغالب .