ابن العربي

256

أحكام القرآن

فتذكّر الأخرى ، لكانت شهادة واحدة ، وكذلك لو قال : فتذكّرها الأخرى لكان البيان من جهة واحدة لتذكرة الذاكرة الناسية ، فلما كرّر إحداهما أفاد تذكرة الذاكرة للغافلة وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضا لو انقلبت الحال فيهما بأن تذكر الغافلة وتغفل الذاكرة ؛ وذلك غاية في البيان . المسألة الثامنة والعشرون - قوله تعالى : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا . اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال : أحدها - لا يأب الشهداء عن تحمّل الشهادة إذا تحملوا . الثاني - لا يأب الشهداء عن الأداء . الثالث - لا يأب الشهداء عنهما جميعا ، لا يأب الشهداء عن التحمل إذا حمّلوا ولا يأبوا عن الأداء إذا تحمّلوا . وكذلك اختلفوا في حكم هذا النهى على ثلاثة أقوال : أحدها - أنّ فعل ذلك ندب . الثاني - أنّ ذلك فرض على الكفاية . الثالث - أنها فرض على الأعيان مطلقا ؛ قاله الشافعي . والصحيح عندي أنّ المراد ها هنا حالة التحمل للشهادة ؛ لأن حالة الأداء مبيّنة بقوله تعالى « 1 » : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ . وإذا كانت حالة التحمّل فهي فرض على الكفاية إذا قال به البعض سقط عن البعض ، لأن إباية الناس كلّهم عنها إضاعة للحقوق ، وإجابة جميعهم إليها تضييع للأشغال ؛ فصارت كذلك فرضا على الكفاية ؛ ولهذا المعنى جعلها أهل تلك الديار ولاية فيقيمون للناس شهودا يعيّنهم الخليفة ونائبه ، ويقيمهم للناس ويبرزهم لهم ، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم . فلا يكون لهم شغر إلا تحمّل حقوق الناس حفظا ، وإحياؤها لهم أداء . فإن قيل : فهذه شهادة بالأجرة . قلنا : إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال ، وقد بيّناه في شرح الحديث ومسائل الخلاف . المسألة التاسعة والعشرون - قال علماؤنا : قوله تعالى : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا دليل على أنّ الشاهد هو الذي يمشى إلى الحاكم ، وهذا أمر انبنى عليه الشرع ، وعمل

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 283