ابن العربي
249
أحكام القرآن
المسألة السابعة - قوله تعالى : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً . قال علماؤنا : إنما أملى الذي عليه الحقّ ؛ لأنه المقرّ به الملتزم له ، فلو قال الذي له الحق : لي كذا وكذا لم ينفع حتى يقرّ له الذي عليه الحق ، فلأجل ذلك كانت البداءة به ؛ لأنّ القول قوله ، وإلى هذه النكتة وقعت الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : البينة على من ادّعى « 1 » واليمين على من أنكر ، على نحو ما تقدم في قوله تعالى « 2 » : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ . وفي هذه الآية أيضا نحو منه ، وهو قوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ لما كان القول قولهنّ في الذي تشتمل عليه أرحامهنّ ، وقول الشاهد أيضا فيما وعاه قلبه من علم ما عنده مما بينهما من التنازع . المسألة الثامنة - قوله تعالى : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً : أما السفيه ففيه أربعة أقوال : الأول - أنه الجاهل ؛ قاله مجاهد . الثاني - أنه الصبى . الثالث - أنه المرأة والصبىّ ؛ قاله الحسن . الرابع - المبذّر لماله المفسد لدينه ؛ قاله الشافعي . وأما الضعيف فقيل : هو الأحمق . وقيل : هو الأخرس أو الغبىّ ، واختاره الطبري . وأما الذي لا يستطيع أن يملّ ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها - أنه الغبىّ ؛ قاله ابن عباس . الثاني - أنه الممنوع بحبسة أو عىّ . الثالث - أنه المجنون . وهذا فيه نظر طويل نخبته أنّ اللّه سبحانه جعل الذي عليه الحق أربعة أصناف : مستقل بنفسه يملّ ، وثلاثة أصناف لا يملّون ، ولا يصح أن تكون هذه الأصناف الثلاثة صنفا واحدا أو صنفين ؛ لأن تعديد الباري سبحانه كأنه يخلو عن الفائدة ، ويكون من فن المثبّج « 3 » من القول الركيك من الكلام ، ولا ينبغي هذا في كلام حكيم ، فكيف في كلام أحكم الحاكمين .
--> ( 1 ) في ا : على المدعى . والمثبت من ل . ( 2 ) سورة البقرة ، آية 228 ( 3 ) التثبيج : التخليط ، وكتاب مثبج . وثبج الكتاب تثبيجا : لم يبينه . والثبج : اضطراب الكلام وتفننه .