ابن العربي
245
أحكام القرآن
المسألة الخامسة - من معنى هذه الآية ، وهي في التي بعدها قوله تعالى « 1 » : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ . ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أنّ المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ، ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ، ولم يطب ؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال ، والذي بقي هو الحرام ، وهو غلوّ في الدين ؛ فإن كلّ ما لم يتميز فالمقصود منه ماليّته لا عينه ، ولو تلف لقام المثل مقامه ، والاختلاط إتلاف لتميزه ، كما أنّ الإهلاك إتلاف لعينه ، والمثل قائم مقام الذاهب ، وهذا بيّن حسّا بيّن معنى ، واللّه أعلم . الآية الثامنة والثمانون - قوله تعالى « 2 » : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فيها خمس مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها « 3 » : قد تقدم أنها نزلت في الرّبا عند ذكر الآية قبلها . المسألة الثانية - في المعنى المقصود بها : فيها ثلاثة أقوال : الأول - أنّ المقصود بها ربا الدّين خاصة ، وفيه يكون الإنظار ؛ قاله ابن عباس وشريح القاضي والنخعي . الثاني - أنه عامّ في كل دين ، وهو قول العامة . الثالث - قال متأخّر وعلمائنا : هو نصّ في دين الرّبا ، وغيره من الديون مقيس عليه . المسألة الثالثة - في التنقيح : أما من قال إنه في دين الربا فضعيف ، ولا يصحّ ذلك عن ابن عباس ؛ فإنّ الآية وإن كان أولها خاصا ، فإنّ آخرها عام ، وخصوص أولها لا يمنع من عموم آخرها ، لا سيما إذا كان العامّ مستقلّا بنفسه . ومن قال : إنه نصّ في الربا ، وغيره مقيس عليه فهو ضعيف ؛ لأنّ العموم قد يتناول الكل فلا مدخل للقياس فيه .
--> ( 1 ) من الآية التاسعة والسبعين بعد المائتين . ( 2 ) الآية الثمانون بعد المائتين . ( 3 ) أسباب النزول : 51