ابن العربي
236
أحكام القرآن
صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة . وقد حققنا ذلك في موضعه من مسائل الخلاف ، وتقصّينا القول على الحديث . المسألة السادسة - في هذه الآية فائدة ؛ وهي معرفة معنى الخبيث ، فإنّ جماعة قالوا : إنّ الخبيث هو الحرام ، وزلّ فيه صاحب العين فقال : الخبيث كلّ شيء فاسد ، وأخذه - واللّه أعلم - من تسمية الرّجيع خبيثا . وقال يعقوب : الخبيث : الحرام ، وهذا تفسير منه للغة بالشرع ، وهو جهل عظيم . والصحيح أنّ الخبيث ينطلق على معنيين : أحدهما - ما لا منفعة فيه ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كما ينفى الكير خبث الحديد . الثاني - ما تنكره النفس ، كقوله تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . الآية الرابعة والثمانون - قوله تعالى « 1 » : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - اختلف الناس في الآية على قولين : أحدهما - أنها صدقة الفرض . الثاني - أنها صدقة التطوّع . قال ابن عباس في الآية : جعل اللّه تعالى صدقة السرّ في التطوع تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة العلانية في الفرض تفضل صدقة السر بخمسة وعشرين ضعفا . المسألة الثانية - أمّا صدقة الفرض فلا خلاف أنّ إظهارها أفضل ؛ كصلاة الفرض وسائر فرائض الشريعة ؛ لأن المرء يحرز بها إسلامه ، ويعصم ماله . وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ولا في تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح يعوّل عليه ، ولكنه الإجماع الثابت .
--> ( 1 ) الآية الواحدة والسبعون بعد المائتين .