ابن العربي

232

أحكام القرآن

كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . وهذا يقتضى أنّ هذه المحرمات الثلاث تجرى مجرى واحدا في كونها باحترامها حقّا للآدمي ؛ وقد بينّا ذلك في مسائل الخلاف ، فلينظر هنالك . الآية الحادية والثمانون - قوله تعالى « 1 » : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي . فيها مسألتان : المسألة الأولى - إنّ الماء طعام بقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ، وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات البدن به ؛ فوجب أن يجرى فيه الربا ، وهو الصحيح من المذهب ؛ ولم لا يجرى فيه الربا وهو أجلّ الأقوات ، وإنما هان لعموم وجوده ، وإنما عمّم اللّه تعالى وجوده بفضله ؛ لعظيم الحاجة إليه . ومن شرفه على سائر الأطعمة أنه مهيّأ مخلوق على صفة لا صنعة لأحد فيها لا أولا ولا آخرا . المسألة الثانية - قال أبو حنيفة : من قال : إن شرب عبدي من الفرات فهو حرّ ؛ فلا يعتق إلّا أن يكرع فيه ؛ فإن شرب بيده أو اغترف بإناء منه لم يعتق ؛ لأنّ اللّه تعالى فرّق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد . وهذا فاسد ؛ فإذا أجرينا الأيمان على الألفاظ ، وقلنا به معهم ؛ لأن شرب الماء ينطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا ، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث فاعله . وأما هذه الآية فلا حجّة فيها ؛ فإنّ اللّه تعالى جعل ما لزمهم من هذه القصة معيارا لعزائمهم وإظهار صبرهم في اللقاء ؛ فكان من كسر شهوته عن الماء ، وغلب نفسه على الإمعان فيه إلّا غرفة واحدة يطفئ بها سورته ، ويسكن غليله ، موثوقا به في الثبات عند اللقاء في الحرب وكسر النفس عن الفرار عن القتال ، وبالعكس من كرع في النهر واستوفى الشّرب منه . وهذا منزع معلوم ليس من اليمين في ورد ولا صدر . الآية الثانية والثمانون - قوله تعالى « 2 » : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ .

--> ( 1 ) الآية التاسعة والأربعون بعد المائتين . ( 2 ) الآية السادسة والخمسون بعد المائتين .