ابن العربي

229

أحكام القرآن

قال عبد الرحمن بن عوف : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه « 1 » . واختلف العلماء في وجه الحكم في ذلك : أما الدخول ففيه الخلاف على أربعة أقوال : الأول - ما فيه من التعرّض للبلاء ؛ وذلك لا يجوز في حكم اللّه تعالى ، فإنّ صيانة النفس عن كل مكروه مخوف واجب . الثاني - إنما نهى عن دخوله لئلا يشتغل عن مهمّات دينه بما يكون فيه من الكرب والخوف ، بما يرى من عموم الآلام وشمول الأسقام . الثالث - ما يخاف من السخط عند نزول البلاء ، به وذهاب الصبر على ما ينزل من القضاء . الرابع - ما يخاف عليه من سوء الاعتقاد ، كأن يقول : لولا دخولي في هذا البلد لما نزل بي مكروه . وأما الخروج فإنما نهى عنه لما فيه من ترك المرضى مهملين مع ما ينتظم به مما تقدم . واللّه أعلم . الآية التاسعة والسبعون - قوله تعالى « 2 » : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قال قوم من علمائنا : هذه الآية مجملة وهو خطأ ؛ بل هي عامة . قال مالك : سبل اللّه كثيرة . قال القاضي : ما من سبيل من سبل اللّه تعالى إلّا يقاتل عليها وفيها وأولها وأعظمها دين الإسلام ، قال اللّه سبحانه « 3 » : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ؛ وزاد صلّى اللّه عليه وسلّم تماما فقال « 4 » : من قاتل لتكون كلمة اللّه العليا فهو في سبيل اللّه . وبعد هذا فليس شيء من الشريعة إلّا يجوز القتال عليه وعنه ، فقد صحّ العموم وظهر تأكيد التخصيص . فإن قيل : فمن قاتل دون ماله ؟ قلنا : هو في سبيل اللّه ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : من قتل دون ماله فهو شهيد .

--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1737 ( 2 ) الآية الرابعة والأربعون بعد المائتين . ( 3 ) سورة يوسف ، آية 108 . ( 4 ) مسلم : 1512